عيدٌ على حافةِ الغياب … نصٌ بقلم : د. عبدالرحيم جاموس

حين يأتي العيد،
نُحسِنُ فنَّ التغافل،
كأنّنا نتدرّبُ سرًّا
على إغماضِ القلب
لا العين…
نتركُ الواقعَ خارجَ الباب،
معلّقًا كمعطفٍ ثقيل،
وندخلُ خفيفين…
إلى غرفةٍ
من زمنٍ قديم…
هناك،
تنتظرُنا الذكرياتُ
بأسمائنا الأولى،
تلمعُ في عيونِها
ضحكاتٌ لم تَشِخ،
وتُخبّئُ لنا
فتاتَ فرحٍ
لم يُصادَر بعد…
نمدُّ أيدينا إليها،
لا لنستعيدَ ما كان،
بل لننجو قليلًا
ممّا صار…
هي تعرفُ
كذبَها الجميل،
ونعرفُ حاجتَنا إليه؛
فنصدّقُها معًا،
كما يصدّقُ الغريقُ
خشبةَ وهمٍ
كي لا يغرق…
وفي لحظةٍ
تتشابهُ فيها
الدموعُ بالابتسامات،
نكتشفُ أن العيد
ليس ما يحدثُ حولنا،
بل ما نقاومُ به
انكسارَ الداخل…
هكذا…
نخيطُ من الذاكرةِ
ثوبًا مؤقّتًا للفرح،
ونمضي،
بشيءٍ من ضوء،
وكثيرٍ من صبر،
نُقنعُ الطريق
أننا ما زلنا
نستحقُّ الوصول…
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
20/3/2026

[ عيد على حافة الغياب]
يأتي هذا النصّ محمّلًا بشفافيّة الألم وعمق التأمّل، كأنّه اعترافٌ هادئٌ للنفس وهي تعبر مواسم الفرح بأقدامٍ مثقلةٍ بالغياب. منذ السطر الأول، يضعنا الكاتب أمام مفارقة إنسانيّة دقيقة: العيد، بوصفه زمنًا للبهجة، يتحوّل إلى مساحةٍ للتغافل المتعمّد، حيث لا يُغلق الجفن بقدر ما يُغمَض القلب. وهذه الصورة وحدها تكفي لتكشف عن حساسيّةٍ عالية في التقاط التحوّلات الشعوريّة الخفيّة التي يعيشها الإنسان في لحظات التناقض الوجداني.
يتكئ النص على ثنائيّة الواقع والذاكرة، حيث يُعلَّق الواقع “كمعطفٍ ثقيل” خارج الباب، في استعارةٍ بليغة تُجسّد عبء الحاضر وقسوته، مقابل خفّة الانزلاق إلى “غرفةٍ من زمنٍ قديم”، تلك الغرفة التي لا تُحدَّد مكانًا بقدر ما تُستشعَر حالةً. هنا، تتحوّل الذاكرة إلى ملاذٍ حميم، لا بوصفها استعادةً بريئة للماضي، بل كحيلةٍ وجوديّة للنجاة من ثقل الحاضر.
الذكريات في النص ليست جامدة، بل كائنات حيّة “تنتظرنا بأسمائنا الأولى”، وهذه العبارة تنطوي على شحنةٍ عاطفيّة عميقة؛ إذ تشير إلى تلك النسخة النقيّة من الذات، قبل أن تُرهقها التجارب. كما أنّ “ضحكاتٍ لم تشخ” تفتح أفقًا من الحنين النقي، وتُعيد تعريف الزمن لا بوصفه تعاقبًا، بل تآكلًا وانتقاءً لما يبقى وما يندثر.
يتجلّى البعد الفلسفي للنص في اعترافه الصريح بـ”كذب الذاكرة الجميل”، حيث لا يُخفي الكاتب وعيه بزيف هذا الملاذ، لكنه في الوقت ذاته يقرّ بحتميّته. إنّه كذبٌ متواطَأ عليه، بين الذاكرة والإنسان، كأنّهما يتفقان ضمنًا على ضرورة الوهم كي تستمر الحياة. هذه الفكرة تبلغ ذروتها في صورة “الغريق الذي يصدّق خشبة وهم”، وهي صورة مكثّفة تختزل حاجة الإنسان إلى أي معنى—even إن كان هشًّا—ليواصل البقاء.
الانتقال إلى لحظة التماهي بين الدموع والابتسامات يكشف عن ذروة التداخل الشعوري، حيث تفقد الانفعالات حدودها الواضحة، ويغدو العيد حالةً داخليّة لا حدثًا خارجيًّا. هنا، يعيد النص تعريف العيد بوصفه فعل مقاومة، لا احتفالًا؛ مقاومة لانكسار الداخل، وانتصارًا صغيرًا للتماسك النفسي.
ويختتم النص بصورةٍ شديدة العذوبة والإنسانيّة: “نخيط من الذاكرة ثوبًا مؤقّتًا للفرح”، وهي استعارة تُجسّد هشاشة الفرح واصطناعيّته، لكنها في الوقت ذاته تُبرز قدرة الإنسان على الابتكار العاطفي، وعلى صناعة لحظاتٍ قابلة للعيش رغم كل شيء. ثم يأتي “إقناع الطريق” كذروةٍ رمزيّة، حيث يتحوّل الأمل إلى فعل إقناعي، لا يقينًا مطلقًا.
في مجمله، النصّ قصيدة نثريّة مشبعة بالوعي والوجع، تنجح في تحويل العيد من مناسبةٍ زمنيّة إلى تجربةٍ وجوديّة، وتمنح القارئ مرآةً شفّافة يرى فيها هشاشته وقوّته في آنٍ واحد.


بقلم:د. عادل جوده.العراق.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com