مضيق هرمز: بين شرعية القانون ومنطق القوة… بقلم/ د. عبد الرحيم جاموس

قراءة ( سياسية–قانونية ) في حرية الملاحة زمن الأزمات …
لم تعد المضائق البحرية في عالم اليوم مجرد معابر جغرافية، بل تحولت إلى مفاصل حاسمة في توازنات القوة الدولية.
وفي قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز، لا بوصفه ممرًا مائيًا فحسب، بل باعتباره شريانًا استراتيجيًا يختبر حدود القانون الدولي عندما يصطدم بوقائع السياسة.
من حيث التأصيل القانوني، أرست اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982 مبدأ واضحًا لا لبس فيه: المضائق الدولية تخضع لنظام المرور العابر، وهو حق مكفول لجميع السفن والطائرات، ولا يجوز تعطيله حتى في أوقات التوتر أو النزاعات.
هذا المبدأ لم يأتِ اعتباطًا، بل يعكس إدراكًا عميقًا بأن تعطيل هذه الممرات يعني شلّ حركة الاقتصاد العالمي وتهديد استقرار الأسواق.
غير أن هذا الوضوح القانوني يصطدم، في الواقع، ببيئة جيوسياسية أكثر تعقيدًا.
فالمضيق الذي تتقاسمه جغرافيًا إيران وسلطنة عمان يخضع نظريًا لسيادة مقيدة، لكنه عمليًا يقع ضمن مجال تأثير استراتيجي يسمح بهوامش مناورة لا يحدها النص القانوني وحده.
وهنا تبدأ المسافة الفاصلة بين ما يقرره القانون، وما تفرضه القوة.
فالدول لا تحتاج إلى إعلان إغلاق المضيق حتى تعطل وظيفته.
يكفي أن ترفع مستوى المخاطر، أو تلوّح بالقوة، أو تمارس ضغطًا انتقائيًا على بعض السفن، لتتحول حرية الملاحة من حق مكفول إلى مخاطرة محسوبة. وفي هذا السياق، تصبح أدوات مثل المناورات العسكرية، أو التفتيش المشدد، أو حتى الاستهداف المحدود، وسائل لإعادة تشكيل الواقع دون خرق صريح للقانون.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع ظاهرة “أعلام الملاءمة”، حيث تسجل آلاف السفن تحت أعلام دول مثل بنما وليبيريا ونيكاراغوا.
في هذه الحالة، لم يعد العلم وحده كافيًا لتحديد صفة السفينة أو ضمان حمايتها، إذ تتداخل الاعتبارات القانونية مع الحقائق الاقتصادية والسياسية، فتُقاس “حيادية” السفينة بوجهتها وحمولتها وارتباطاتها الفعلية، لا بما ترفعه من راية.
ومن هنا، يتكشف جوهر الإشكالية: القانون الدولي يضمن حرية المرور، لكنه لا يملك دائمًا أدوات فرضها في لحظات التوتر.
فالمضائق، وفي مقدمتها مضيق هرمز، تتحول إلى مساحات رمادية، حيث يمكن تعطيل الملاحة دون إعلان، وفرض الوقائع دون نص، واستخدام الجغرافيا كأداة ردع دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
وفي ظل هذا الواقع، لا تبدو الإحتمالات محصورة بين الاستقرار أو الإغلاق الكامل، بل تمتد إلى منطقة وسطى أكثر ترجيحًا: تعطيل جزئي، وضغط تدريجي، ورفع مستمر لكلفة العبور.
وهو إحتمال كفيل بإرباك الأسواق العالمية، ورفع أسعار الطاقة، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، دون إشعال حرب مفتوحة.
أما بالنسبة للدول العربية، فإن الحياد السياسي—على أهميته—لا يوفر حصانة اقتصادية كاملة.
فاستقرار اقتصادات المنطقة، سواء المنتجة أو المستوردة للطاقة، يبقى مرتبطًا مباشرة بأمن هذا الممر الحيوي.
وبالتالي، فإن حرية الملاحة في مضيق هرمز ليست مسألة قانونية مجردة، بل هي مصلحة استراتيجية مشتركة تتجاوز حدود الاصطفافات السياسية.
خلاصة القول :
أن مضيق هرمز يمثل نقطة التقاء حساسة بين نظام قانوني يسعى إلى ضمان الانسياب، وواقع سياسي يميل إلى التوظيف والضغط.
فلا هو قابل للإغلاق الكامل دون كلفة دولية هائلة، ولا هو محصن تمامًا من التعطيل الجزئي بفعل حسابات القوة.
وبين هذين الحدين، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل ينجح القانون الدولي في حماية أحد أهم شرايين العالم، أم أن الجغرافيا—حين تتسلح بالسياسة—ستظل قادرة على إعادة تعريف قواعد اللعبة؟
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
19/3/2026 م
( مضيق هرمز…)
يقدّم هذا النص مقاربة سياسية–قانونية ناضجة لمكانة مضيق هرمز بوصفه عقدةً مركزية يتقاطع فيها مبدأ الشرعية الدولية مع حسابات القوة الواقعية. فالمضيق لم يعد مجرد ممر بحري، بل تحوّل إلى أداة ضغط جيوسياسي قادرة على التأثير المباشر في استقرار النظام الاقتصادي العالمي.

قراءة تحليلية بقلم//
د.عادل جوده.. من العراق..
من الناحية القانونية، يستند التحليل إلى مرتكز راسخ يتمثل في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي أقرت نظام “المرور العابر” باعتباره حقًا غير قابل للتعطيل، حتى في أوقات النزاعات. هذا الإطار يعكس فلسفة قانونية تهدف إلى تحييد الممرات الحيوية عن الصراعات، إدراكًا لخطورة استخدامها كورقة ابتزاز. غير أن هذا البناء النظري، رغم تماسكه، يظل مرهونًا بإرادة الدول وقدرتها على الالتزام، وهو ما يفتح الباب أمام فجوة تطبيقية واضحة.
سياسيًا، ينجح النص في تفكيك هذه الفجوة عبر إبراز كيف تتحول الجغرافيا إلى أداة نفوذ. فالمضيق، الواقع بين إيران وسلطنة عمان، يخضع لسيادة قانونية مقيدة، لكنه في الواقع ساحة لتوازنات دقيقة تُدار عبر استعراض القوة أكثر مما تُحكم بنصوص القانون. وهنا تتجلى إحدى أهم أفكار النص: التعطيل لا يحتاج إلى إعلان رسمي، بل يكفي خلق بيئة غير آمنة تُعيد تعريف حرية الملاحة كخيار محفوف بالمخاطر.
وتتعمق هذه الإشكالية مع ظاهرة “أعلام الملاءمة”، التي تضعف العلاقة التقليدية بين السفينة ودولتها. فحين تُسجّل السفن تحت أعلام دول بعيدة عن مصالحها الفعلية، تصبح الحماية القانونية أقل وضوحًا، وتُفتح مساحة أوسع للتأويل السياسي. بذلك، يتحول القانون من إطار حاسم إلى مرجعية مرنة، تُعاد قراءتها وفق ميزان المصالح.
اللافت في الطرح أنه لا ينزلق إلى ثنائية مبسطة بين الإغلاق والانسياب، بل يقدّم سيناريو “المنطقة الرمادية” كاحتمال أكثر واقعية. هذا السيناريو يقوم على تعطيل جزئي ورفع تدريجي لكلفة العبور، وهو أسلوب يحقق أهدافًا استراتيجية دون الوصول إلى مواجهة شاملة. وفي هذا السياق، يصبح التأثير غير المباشر—كارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد—أداة ضغط فعّالة بحد ذاتها.
أما عربيًا، فيبرز النص بوعيٍ مهم حين يفكك وهم الحياد.
فالدول، حتى إن لم تكن طرفًا سياسيًا مباشرًا، تظل مرتبطة اقتصاديًا بأمن المضيق.
وهذا يعني أن الاستقرار في مضيق هرمز ليس مسألة تضامن سياسي فحسب، بل ضرورة استراتيجية تمس الأمن الاقتصادي الإقليمي.
في المحصلة، يقدّم النص قراءة متوازنة تؤكد أن القانون الدولي، رغم ضرورته، لا يعمل في فراغ، بل ضمن بيئة تحكمها موازين القوة. وبين نصٍ يسعى إلى ضمان الانسياب وواقعٍ يميل إلى التوظيف، يبقى مضيق هرمز نموذجًا حيًا لصراع مستمر بين منطق الشرعية ومنطق النفوذ، حيث لا يُحسم الأمر بالكامل لأيٍ منهما.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹



