حين تدفع الشعوب فاتورة الدولار:

قراءة استراتيجية شاملة في تداخل الحرب والاقتصاد والقانون والجغرافيا السياسية…
بقلم:دش. عبدالرحيم جاموس

لم يعد ممكنًا فهم ما يجري في الشرق الأوسط بوصفه صراعًا عسكريًا معزولًا، ولا حتى أزمة سياسية تقليدية.
نحن أمام لحظة تاريخية تتقاطع فيها أدوات القوة: من السلاح إلى العملة، ومن الجغرافيا إلى الأسواق. وفي قلب هذه المعادلة، يتشكّل نظام عالمي تتحرك فيه الكلفة من المركز إلى الأطراف، بحيث تدفع الشعوب—خصوصًا في منطقتنا—فاتورة صراعات لم تصنعها.
تبدأ القصة من الاقتصاد، لكنها لا تنتهي عنده ، حين تموّل الولايات المتحدة إنفاقها، بما في ذلك الحروب، عبر الديون، فهي لا تؤجل الكلفة فقط، بل تعيد توزيعها.
هذا ما أشار إليه مرارًا جيروم باول، الذي حذّر من أن ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية سيبقي التضخم مرتفعًا، ويعقّد مهمة تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
هذه ليست مجرد ملاحظة تقنية، بل إقرار بأن الحرب أصبحت محركًا اقتصاديًا عالميًا.
لكن الأثر الأعمق يظهر عندما يتحرك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ، فقرار رفع الفائدة، الذي يُتخذ ظاهريًا لضبط التضخم داخل الولايات المتحدة، يؤدي عمليًا إلى سحب السيولة من العالم نحو الدولار، وإضعاف العملات الأخرى، ورفع كلفة الاستيراد.
هنا تتحول السياسة النقدية إلى أداة تأثير جيوسياسي غير مباشر، تُعيد رسم التوازنات الاقتصادية بين الدول.
هذا التداخل بين المال والسياسة ليس جديدًا، لكنه اليوم أكثر حدة.
وقد حذّر الاقتصادي نورييل روبيني من أن العالم يتجه نحو أزمات مركبة، حيث تتزامن الصدمات الجيوسياسية مع اضطرابات الأسواق والتضخم، ما قد يقود إلى “ركود تضخمي” يضرب الاقتصادات الهشة أولًا.
وما نشهده في الشرق الأوسط هو تجسيد حيّ لهذا التحذير.
في هذا السياق، تصبح الطاقة هي المفصل الحاسم. فكل توتر عسكري في المنطقة ينعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز، وهما مسعّران بالدولار.
ومع أي ارتفاع في الأسعار، تنتقل الكلفة إلى كل دولة تستورد الطاقة أو الغذاء، فتتسع دائرة التضخم عالميًا.
وهكذا، لا تبقى الحرب في حدودها الجغرافية، بل تمتد عبر سلاسل الإمداد لتصيب الاقتصاد العالمي بأكمله.
أما من الناحية القانونية والسياسية، فإن انشغال القوى الكبرى بإدارة الأزمات الاقتصادية يترك فراغًا في ملفات العدالة الدولية.
وهنا تتأثر القضية الفلسطينية بشكل مباشر. فمع تراجع أولوية الحقوق السياسية أمام ضرورات الاستقرار الاقتصادي، تتقلص فعالية القانون الدولي، وتضعف أدوات المساءلة.
في ظل هذا الواقع، تصبح الوقائع على الأرض—وليس النصوص القانونية—هي التي ترسم المستقبل.
الواقع العربي، بدوره، ينكشف أمام هذه العاصفة على ثلاث مستويات متباينة.
فالدول غير النفطية تواجه تضخمًا مستوردًا، وعملات متراجعة، وضغوطًا اجتماعية متصاعدة.
أما الدول ذات الاستقرار النسبي، فتحاول امتصاص الصدمات عبر سياسات مالية حذرة، لكنها تظل مرتبطة بإيقاع السوق العالمية.
في حين تمتلك الدول النفطية هامشًا أوسع للحركة، إلا أن فوائضها نفسها تبقى جزءًا من منظومة الدولار، ما يحدّ من استقلال قرارها الاقتصادي.
هنا تتقاطع الجغرافيا مع الاقتصاد ، فالشرق الأوسط ليس فقط مصدرًا للطاقة، بل ممرًا استراتيجيًا للتجارة العالمية.
أي اضطراب فيه يعيد تشكيل طرق الإمداد، ويؤثر في كلفة النقل، ويعيد توزيع النفوذ الدولي.
ومن يملك القدرة على التحكم في هذه المسارات، يمتلك تأثيرًا يتجاوز حدود القوة العسكرية.
في ضوء كل ذلك، تبدو فكرة “تصدير التضخم” أقل تبسيطًا وأكثر تعقيدًا ، فليست هناك سياسة معلنة تقول إن الولايات المتحدة تنقل أزمتها إلى العالم، لكن بنية النظام المالي العالمي تجعل ذلك يحدث تلقائيًا. الدولار، بصفته عملة الاحتياط والتجارة، يحوّل القرارات الداخلية إلى موجات تأثير عالمية.
ومع كل أزمة، تتسع هذه الموجات لتشمل دولًا لم تكن طرفًا في أصل المشكلة.
خلاصة القول :

ما نشهده اليوم ليس مجرد تزامن بين حرب وتضخم، بل هو تعبير عن نظام عالمي يُعيد توزيع الكلفة وفق ميزان القوة.
فالدول التي تمتلك أدوات التأثير المالي تستطيع امتصاص جزء من الصدمة، بينما تنتقل الأعباء إلى الاقتصادات الأضعف عبر قنوات العملة والطاقة والتجارة.
في هذا الإطار:
الحرب ترفع أسعار الطاقة
أسعار الطاقة تغذي التضخم عالميًا
التضخم يدفع البنوك المركزية—وفي مقدمتها الاحتياطي الفيدرالي—لتشديد السياسة النقدية ،
تشديد السياسة يسحب السيولة نحو الدولار
فتزداد هشاشة الاقتصادات الأخرى
وهكذا تتشكل حلقة متكاملة، لا تُدار بقرار واحد، لكنها تعمل كمنظومة واحدة.
بالنسبة لصنّاع القرار في العالم العربي، فإن التحدي لم يعد اقتصاديًا فقط، بل استراتيجيًا شاملًا:
كيف يمكن تقليل التعرض لصدمات الدولار؟ كيف يمكن تحقيق قدر أكبر من الأمن الغذائي والطاقة؟ وكيف يمكن الحفاظ على حضور القضية الفلسطينية في نظام دولي تتراجع فيه الأولويات الأخلاقية أمام الحسابات الاقتصادية؟
أما بالنسبة للرأي العام، فإن فهم هذه الترابطات لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة.
لأن ما يحدث في أسواق المال، أو في قرارات الفائدة، أو في مضائق الطاقة، ينعكس مباشرة على الحياة اليومية: في سعر الخبز، وكلفة الوقود، واستقرار المجتمعات.
في النهاية، لا يمكن فصل الحرب عن الاقتصاد، ولا الاقتصاد عن الجغرافيا، ولا الجغرافيا عن السياسة. وفي قلب هذا التشابك، تبقى الحقيقة الأهم: أن الشعوب، لا الجيوش وحدها، هي التي تدفع الثمن.
د . عبد الرحيم جاموس
الرياض
22/3/2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com