حين تُحلّق مصر شرقًا… المسيرات التي تُربك خرائط القوة.. بقلم/ شريف الهركلي

في لحظة دولية تتآكل فيها الهيمنة الأحادية وتتشكل ملامح نظام متعدد الأقطاب، لا يبدو خبر تسليح الصين لمصر وإنشاء مصنع لإنتاج المسيرات “حمزو 1 و2” بإشراف صيني مجرد صفقة عسكرية عابرة، بل إشارة استراتيجية تعكس تحولًا عميقًا في تموضع القاهرة ضمن خريطة القوة العالمية. فالدول لم تعد تُقاس بما تشتريه من سلاح، بل بما تنتجه وتتحكم بمفاتيحه التقنية والسيادية.
عسكريًا، تمثل هذه الخطوة انتقالًا نوعيًا من الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن الاعتماد إلى القدرة الذاتية. الطائرات المسيرة لم تعد مجرد أداة دعم، بل أصبحت مركز ثقل في الحروب الحديثة، حيث تجمع بين الاستطلاع والضرب والدقة والكلفة المنخفضة. امتلاك مصر لهذه التكنولوجيا تصنيعًا وتشغيلًا يمنحها مرونة عملياتية واستقلالية في القرار العسكري، ويعزز قدرتها على الردع دون الارتهان لشروط المورد الخارجي.
سياسيًا، يعبّر التعاون مع الصين عن إعادة صياغة ذكية للتحالفات، بعيدًا عن الاحتكار التقليدي لسوق السلاح. القاهرة لا تستبدل محورًا بآخر، بل تبني توازنًا جديدًا يوسّع هامش قرارها السيادي. في عالم اليوم، لا يُسأل من يملك السلاح فقط، بل من يملك قراره، ومن يحدد شروط استخدامه دون ضغوط أو قيود.
اقتصاديًا، يتجاوز المشروع كونه خط إنتاج عسكري ليصبح نواة لصناعة سيادية متقدمة. نقل التكنولوجيا، وتأهيل الكفاءات، وتوطين المعرفة الصناعية، كلها عناصر تفتح الباب أمام بناء منظومة صناعية متكاملة، قد تمتد آثارها إلى قطاعات مدنية وتكنولوجية أخرى. كما أن سوق الطائرات المسيرة يشهد نموًا متسارعًا، ما يمنح مصر فرصة للتحول إلى لاعب إقليمي في هذا المجال، وربما مصدر مستقبلي لهذه التكنولوجيا.
غير أن هذا التحول لا يأتي دون كلفة. فمن المرجح أن تنظر القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بعين القلق إلى هذا التقارب، وقد تبرز ضغوط سياسية أو اقتصادية في محاولة لإعادة ضبط الإيقاع. كذلك، قد تدفع هذه الخطوة بعض دول الإقليم إلى تعزيز قدراتها العسكرية، ما يفتح الباب أمام سباق تسلح صامت يزيد من تعقيد المشهد الأمني.
وسط هذه المعادلة المعقدة، لا تبدو “حمزو 1 و2” مجرد مسيرات تُصنّع على أرض مصر، بل أدوات تعيد تعريف موقع الدولة في معادلة الردع والتأثير. إنها رسالة بأن السيادة لم تعد تُمنح، بل تُبنى، وأن من يمتلك السماء لم يعد فقط من يسيطر عليها عسكريًا، بل من يصنع أدواتها ويحدد اتجاهها. ومصر، وهي تفتح بوابة الشرق بثقة محسوبة، لا تغيّر مصادر سلاحها فحسب، بل تعيد كتابة دورها في زمن لا يعترف إلا بمن يملك قراره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com