قراءة في اعترافات من داخل ” إسرائيل “.. بقلم: المحامي علي أبو حبلة

في ظل التصعيد المتسارع في الإقليم، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة القرار بالحرب مع إيران، وأبعاده الاستراتيجية والسياسية، وما إذا كان هذا الخيار يمثل ضرورة أمنية أم هروباً إلى الأمام من أزمات داخلية متراكمة. ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة عندما يصدر عن شخصيات من داخل النخبة الإسرائيلية نفسها، كما في الحوار اللافت بين تاكر كارلسون وأبراهام بورغ، الذي يقدّم قراءة نقدية عميقة تكشف أبعاداً مقلقة في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي.
أول ما يلفت في هذا الحوار هو الإقرار الصريح بغياب استراتيجية واضحة، حيث تُدار الحرب – وفق هذا الطرح – عبر تجميع تكتيكات ظرفية وردود فعل آنية، دون رؤية شاملة أو هدف نهائي محدد. إن هذا النمط من إدارة الصراعات يعكس تحوّلاً خطيراً في العقيدة الأمنية، من التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى إلى منطق الضربات الموضعية، وهو ما يفتح الباب أمام انزلاق غير محسوب نحو صراعات مفتوحة.
وفي هذا السياق، يطرح الحوار مسألة تضخيم التهديد الإيراني، ليس بنفي وجوده، بل بالإشارة إلى توظيفه سياسياً وإعلامياً. فإسرائيل، وفق هذا التحليل، لا تواجه فقط “تهديداً حقيقياً”، بل أيضاً “تهديداً متخيلاً” جرى تضخيمه لتبرير خيارات عسكرية، وتعزيز حالة التعبئة الداخلية، وتكريس سردية الخطر الوجودي. وهذه المقاربة تعكس واحدة من أدوات إدارة الصراع، حيث يُستخدم الخوف كوسيلة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية.
غير أن الأخطر من ذلك هو توصيف العقلية الحاكمة بوصفها “عقلية صفرية”، ترى في أي مكسب للخصم خسارة مطلقة. هذه الذهنية لا تترك مجالاً للحلول الوسط، ولا تعترف بإمكانية تحقيق تسويات قائمة على المصالح المشتركة، وهو ما يفسر تعثر كل المسارات السياسية السابقة، ويؤسس لاستدامة الصراع بدلاً من حله.
وفي قلب هذه المعادلة، يبرز دور بنيامين نتنياهو، الذي يقدَّم في الحوار بوصفه قائداً باتت قراراته محكومة باعتبارات البقاء السياسي أكثر من كونها نتاج رؤية استراتيجية متماسكة. فالحرب، في هذا الإطار، تتحول إلى أداة لإدارة الأزمات الداخلية، وليس لمعالجة التحديات الأمنية الحقيقية، وهو ما يعمّق من حالة عدم الاستقرار ويدفع نحو خيارات أكثر خطورة.
أما على صعيد المشهد الفلسطيني، فإن توصيف قطاع غزة بأنه “الهاوية الأخلاقية” يعكس تحوّلاً نوعياً في الخطاب النقدي داخل إسرائيل، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على خلافات سياسية، بل بات يتصل بجوهر القيم والمعايير الأخلاقية. إن هذا الاعتراف، وإن جاء من صوت معارض، يعكس حجم التآكل في صورة إسرائيل دولياً، ويؤكد أن العزلة الدولية لم تعد مسألة هامشية، بل تحوّلت إلى تهديد استراتيجي يوازي – بل ويتجاوز – التهديدات العسكرية التقليدية.
وفي هذا الإطار، تتصاعد المخاوف من أن يؤدي أي تصعيد يمسّ المسجد الأقصى إلى انفجار إقليمي واسع، نظراً لما يحمله هذا الملف من حساسية دينية وسياسية، وما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات تتجاوز حدود الصراع التقليدي، لتدفع نحو صدامات ذات طابع ديني شامل.
أما الحرب مع إيران، فإنها – وفق هذه القراءة – لا تحمل في طياتها مقومات الحسم، بقدر ما تنذر بحرب استنزاف طويلة متعددة الجبهات، في ظل اختلال موازين القوى الديموغرافية والجغرافية، واحتمالات توسّع الصراع ليشمل أطرافاً إقليمية ودولية. كما أن هذا السيناريو يفتح الباب أمام سباق تسلح خطير، قد يقود المنطقة إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.
ورغم كل هذا التصعيد، يبرز في الحوار تأكيد لافت على أن الحل السياسي، وتحديداً خيار حل الدولتين، لا يزال قائماً، بل عاد ليطرح نفسه كخيار لا يمكن تجاهله. وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع أن تفرض حلولاً دائمة، وأن التسويات السياسية تظل الخيار الوحيد القادر على تحقيق الاستقرار.
إن مجمل هذه المؤشرات تقود إلى خلاصة مفادها أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق حاسم: إما الانزلاق نحو صراع إقليمي مفتوح قد يتخذ أبعاداً دينية خطيرة، أو العودة إلى منطق السياسة والتسويات، بما يضمن الحد الأدنى من الاستقرار ويمنع الانفجار الشامل.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تبقى المسؤولية الدولية والإقليمية قائمة لاحتواء التصعيد، وإعادة الاعتبار للقانون الدولي، وفتح أفق سياسي جاد يعالج جذور الصراع، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي تظل مفتاح الاستقرار في المنطقة بأسرها.



