نحو صراع بلا نهاية.. فلسطين في زمن الصراع الدائم وتحولات المستقبل.. بقلم : د. عبدالرحيم جاموس

بين إدارة الصراع واستنزاف المعنى…
كيف يمكن للفلسطينيين تحويل البقاء إلى استراتيجية، لا مجرد ردّ فعل؟
لم تعد الحروب في عالم اليوم تُقاس ببدايات واضحة أو نهايات حاسمة، ولم يعد النصر فيها لحظة فاصلة تُعلن فيها الغلبة لطرف على آخر. ما نشهده هو تحوّل عميق في بنية الصراع، حيث تتراجع الحروب التقليدية لصالح نمط جديد يمكن وصفه بـ”الصراع الدائم”: صراع مفتوح في الزمن، متعدد في الميادين، ومتحوّل في الأهداف، بحيث يصبح حالة مستمرة لا حدثًا عابرًا.
في هذا الإطار، لم تعد المواجهة مقتصرة على الميدان العسكري، بل امتدت لتشمل الاقتصاد، والإعلام، والفضاء الرقمي، وحتى الوعي الجمعي.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ إذ تتحول المجتمعات بأكملها إلى ساحات اشتباك، وتتداخل الجبهات إلى حد يصعب معه الفصل بين ما هو أمني وما هو سياسي أو نفسي.
إننا أمام صراع لا يسعى فقط إلى كسر الخصم، بل إلى استنزافه وإعادة تشكيله على المدى الطويل، حيث لم يعد الهدف تحقيق انتصار حاسم بقدر ما أصبح إعادة تشكيل موازين القوة بصورة مستمرة.
وتتجلى هذه التحولات بوضوح في سيولة الأهداف؛ إذ لم تعد الغايات ثابتة كما في الحروب التقليدية، بل تتغير أثناء سير الصراع وفق موازين القوة المتحركة. قد يبدأ الصراع بهدف الردع، ثم يتحول إلى إدارة أزمة، قبل أن ينتهي إلى فرض واقع جديد دون إعلان صريح عن نهاية أو حسم.
ويزداد هذا التعقيد مع تعدد الأطراف الفاعلة، حيث لم تعد الدول وحدها هي اللاعب الرئيسي، بل برزت قوى غير دولية وشبكات مصالح وتحالفات مرنة، ما يجعل أي صراع أقرب إلى منظومة متشابكة يصعب تفكيكها أو إنهاؤها.
في ظل هذا التحول، يفقد الزمن معناه التقليدي؛ فلا بداية واضحة ولا نهاية محددة، بل حالة ممتدة من التوتر المتقطع، تتخللها موجات من التصعيد والتهدئة دون أن تبلغ خاتمة حقيقية.
وهنا يتحول “إدارة الصراع” إلى هدف قائم بذاته، بدلًا من السعي إلى حله.
ضمن هذا المشهد، يبرز الصراع العربي–الفلسطيني مع إسرائيل بوصفه أحد أكثر النماذج تعبيرًا عن هذا النمط من الصراع الدائم.
فلم يعد هذا الصراع مجرد مواجهة على الأرض، بل أصبح ساحة مركبة تتقاطع فيها الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية، وتُدار فيها الوقائع أكثر مما تُحسم.
ويبدو أن المستقبل القريب يتجه نحو ترسيخ حالة “اللاحسم”، مع استمرار محاولات فرض وقائع ميدانية، خاصة في الضفة الغربية، والسعي إلى تكريس الفصل بينها وبين قطاع غزة، بالتوازي مع تصاعد أدوات الصراع غير المباشر، من الإعلام إلى الاقتصاد إلى التأثير في الرأي العام العالمي.
وفي مواجهة هذا الواقع، لم يعد ممكنًا التعاطي مع الصراع بأدوات تقليدية أو برؤى مجزأة، بل بات من الضروري إعادة تعريف الفعل الفلسطيني ذاته، انطلاقًا من فهم دقيق لطبيعة الصراع الدائم.
وهنا تبرز أهمية إعادة الاعتبار إلى منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار الوطني الجامع والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، بما تحمله من وظيفة جبهوية توحيدية قادرة، إذا ما أُعيد تفعيلها، على استيعاب مختلف القوى الفلسطينية وصياغة استراتيجية وطنية موحدة.
في المقابل، تظل السلطة الفلسطينية إطارًا وظيفيًا نشأ في سياق سياسي محدد لإدارة شؤون الفلسطينيين تحت الاحتلال في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة.
ومن هنا، فإن إعادة ضبط العلاقة بينهما تصبح مسألة مركزية؛ بحيث تستعيد المنظمة موقعها كمرجعية عليا تحدد الاستراتيجية الوطنية، فيما تعمل السلطة كأداة تنفيذية ضمن هذا الإطار، لا كبديل عنه.
فالصراع الدائم لا يمكن إدارته بمرجعيات متوازية أو متنافسة، بل يحتاج إلى وحدة سياسية ومؤسسية تعيد توجيه البوصلة الوطنية.
وعلى الأرض، داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، يتحول الصمود من خيار أخلاقي إلى ضرورة استراتيجية.
فالبقاء لم يعد نتيجة للصراع، بل أصبح أحد أهم أدواته.
ويتطلب ذلك تعزيز مقومات الصمود المجتمعي، من دعم الاقتصاد المحلي إلى حماية النسيج الاجتماعي، إلى تنويع أدوات الفعل لتشمل المقاومة الشعبية والعمل القانوني والإعلامي، بما يحافظ على الوجود الفلسطيني ويمنع تفكيكه.
أما في الشتات، حيث يتوزع الفلسطينيون في العالم العربي وخارجه، فإن التحدي لا يقل أهمية.
فهذه الكتلة البشرية تمثل امتدادًا استراتيجيًا للقضية، لكنها تحتاج إلى إعادة تنظيم وتفعيل ضمن إطار جامع تقوده منظمة التحرير الفلسطينية، بما يمكّنها من بناء لوبيات ضغط، وإعادة إنتاج الرواية الفلسطينية عالميًا، ودعم الداخل سياسيًا واقتصاديًا، مع الحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة في مواجهة محاولات التذويب.
إن أخطر ما في الصراع الدائم ليس فقط امتداده، بل قدرته على استنزاف المعنى ذاته، حيث يتحول الاعتياد على الصراع إلى حالة طبيعية، وتتآكل الحدود بين الاستثناء والواقع.
وهنا يكمن التحدي الأكبر: الحفاظ على وضوح الهدف في ظل واقع يفرض التكيف المستمر، ومنع تحول القضية من مشروع تحرري إلى مجرد إدارة لأزمة مزمنة.
في المحصلة، نحن أمام مرحلة تاريخية لا يُدار فيها الصراع من أجل حسم نهائي، بل من أجل إعادة تشكيل التوازنات بشكل مستمر.
وهذا يفرض انتقالًا واعيًا من رد الفعل إلى الفعل الاستراتيجي، ومن التشتت إلى التكامل، ومن إدارة اللحظة إلى صناعة المستقبل.
ففي زمن الصراع الدائم، لا تكمن القوة في تحقيق انتصار عابر، بل في القدرة على الصمود، والتكيّف، والحفاظ على المعنى.
فالقضية الفلسطينية، في جوهرها، ليست مجرد صراع على الأرض، بل صراع على الوجود والهوية والرواية.
ومن ينجح في حماية هذا المعنى، يمتلك القدرة ،
مهما طال الزمن على إعادة فتح أفق التحرر الوطني .
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
24/3/2026 م
مقالة ( نحو صراع بلا نهاية…)
للدكتور عبد الرحيم جاموس

اليكم قراءة تحليلية راقية بقلم:
د.عادل جوده..من العراق
✨تتقدّم هذه المقالة بوصفها نصًا فكريًا عميقًا يلتقط تحوّل الصراع من كونه حدثًا عسكريًا محدودًا إلى كينونة زمنية ممتدة، تُعاد فيها صياغة المعنى قبل إعادة توزيع القوة.
لا يتعامل د. عبدالرحيم جاموس مع القضية الفلسطينية بوصفها حالة سياسية طارئة، بل كحقل اختبار لنموذج عالمي جديد من “الصراع الدائم”، حيث تختفي النهايات الحاسمة لصالح ديناميات مستمرة من الاستنزاف وإعادة التشكل.
أبرز ما يميز هذا الطرح هو نقله بؤرة التحليل من “نتائج الصراع” إلى “بنيته”، إذ لم يعد السؤال: من ينتصر؟ بل: كيف يُدار الصراع بحيث يُبقي الأطراف في حالة استنزاف دائم دون حسم.
هنا، تتحول فلسطين من ساحة مواجهة تقليدية إلى فضاء مركّب تتقاطع فيه الجغرافيا بالاقتصاد، والإعلام بالوعي، والسياسة بالذاكرة.
وهذا التحول ليس توصيفًا فقط، بل تحذير مبطن من أخطر أشكال الهيمنة: تلك التي تُعيد تشكيل وعي الضحية قبل أن تُنهي وجودها.
النص يذهب أبعد من التشخيص، ليطرح معادلة دقيقة بين “البقاء” و”الاستراتيجية”.
فالبقاء، كما يقدمه الكاتب، لم يعد مجرد نتيجة للصمود، بل أداة فعلية في إدارة الصراع ذاته. وهذه نقطة مفصلية.. إذ يتم إعادة تعريف الصمود من كونه حالة وجدانية أو أخلاقية إلى كونه فعلًا سياسيًا مركّبًا، يحتاج إلى أدوات اقتصادية ومجتمعية وإعلامية، لا تقل أهمية عن أدوات المواجهة المباشرة. بهذا المعنى، يصبح الحفاظ على النسيج الاجتماعي، وعلى القدرة اليومية للحياة، شكلًا من أشكال المقاومة الذكية التي تعاكس منطق الاستنزاف.
وفي قراءته للمؤسسات الفلسطينية، يلامس الكاتب جوهر الإشكالية البنيوية التي تعاني منها الحالة الوطنية.
فهو لا يكتفي بالإشارة إلى ضرورة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، بل يضعها في موقعها الطبيعي كمرجعية عليا، مقابل إعادة تعريف السلطة الفلسطينية كأداة وظيفية. هذه الثنائية ليست تنظيمية فقط، بل تعكس صراعًا ضمنيًا بين “الرؤية” و”الإدارة”، بين مشروع تحرري شامل، وإطار إداري محدود. ومن هنا، تبدو دعوته لإعادة ضبط العلاقة بينهما دعوة لاستعادة المعنى قبل استعادة الأرض.
كما يلفت النص الانتباه بعمق إلى دور الشتات الفلسطيني، الذي لا يُطرح كحالة إنسانية مشتتة، بل كطاقة استراتيجية كامنة.
هذه الرؤية تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية عالميًا، وتفتح أفقًا جديدًا للصراع بوصفه صراعًا على السردية بقدر ما هو صراع على الجغرافيا.
فالكاتب يدرك أن معركة الوعي في زمن الإعلام المعولم قد تكون أكثر حسمًا من معارك الميدان.
لكن الذروة الفكرية للنص تتجلى في تحذيره من “استنزاف المعنى”.
هذه العبارة تختصر جوهر الخطر؛ إذ إن أخطر ما قد يواجه أي قضية عادلة ليس الهزيمة، بل الاعتياد. حين يتحول الصراع إلى حالة يومية مألوفة، يفقد قدرته على الحشد، ويتآكل حضوره في الوعي الجمعي. وهنا، تصبح مهمة الحفاظ على المعنى فعل مقاومة بحد ذاته، لأنه يحول دون انزلاق القضية إلى مجرد أزمة مزمنة تُدار بدل أن تُحل.
في المحصلة، يقدّم النص رؤية استراتيجية تتجاوز ردود الفعل، وتدعو إلى بناء فعل فلسطيني واعٍ بطبيعة الصراع الجديد. إنها دعوة للانتقال من التكيّف السلبي إلى التكيّف المنتج، ومن التشتت إلى التكامل، ومن اللحظة العابرة إلى الأفق التاريخي. وبهذا، لا تكون القوة في حسمٍ مؤقت، بل في القدرة على حماية المعنى، بوصفه الشرط الأول لأي تحرر قادم.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹



