تلكَ الجميلة… نصٌ بقلم/ د. عبدالرحيم جاموس

تلكَ الجميلةُ لي…
لا لأنني أقولُ:
لي،
بل لأنني إذا ضعتُ…
وجدتُني فيها…
السهلُ ظلُّ خطايَ،
والجبلُ صبرُ يدي،
والمنخفضُ سرُّ دمعي،
والمرتفعُ نداءُ روحي…
لي ما عليها…
انتماءً لا امتلاكًا،
ولي خفاياها…
كما يعرفُ القلبُ اسمَهُ …
دونَ دليل…
الماضي
جرحي الذي أضاء،
والحاضرُ وقوفي…
والمستقبلُ :
وعدي
أن أبقى…
هيَ لي…
كما يكونُ النبضُ دمًا،
وكما يكونُ الاسمُ قدرًا،
وكما تكونُ الأرضُ …
آخرَ ما نقولُ
وأولَ ما نكون…
وكلما همستُ :
تلكَ الجميلةُ لي،
أجابتني:
وأنتَ لي…
بقدرِ ما تُحبُّ،
وبقدرِ ما تبقى …
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
25/3/2026
🌟مقالة ( تلك الجميلة)
للدكتور عبد الرحيم جاموس
🕊️يُشيّد هذا النص عالماً داخلياً مشبعاً بالانتماء الوجداني، حيث لا تعود العلاقة بين الشاعر و”تلك الجميلة” علاقة تملّكٍ عابر، بل تتحول إلى حالة ذوبانٍ وجودي تتلاشى فيها الحدود بين الذات والموضوع. منذ السطر الأول، يضعنا الكاتب أمام مفارقة دقيقة: “لي… لا لأنني أقول لي”، وكأنه ينفي الملكية ليؤسس لانتماءٍ أعمق، انتماء لا يُعلن بقدر ما يُعاش.
تتجلى براعة النص في اعتماده على ترميز الطبيعة بوصفها امتداداً شعورياً للذات؛ فالسهل، والجبل، والمنخفض، والمرتفع ليست مجرد تضاريس، بل خرائط داخلية تعكس حالات النفس الإنسانية. السهل ظلّ الخطى، بما يحمله من ألفة وطمأنينة، بينما الجبل صبر اليد، في إشارة إلى المكابدة والارتقاء.
أما المنخفض فهو سرّ الدمع، حيث تنكسر الروح في صمت، في حين يأتي المرتفع نداءً روحياً، يعبّر عن التطلع والسمو. هذه الثنائية بين الانخفاض والارتفاع، بين الانكسار والتعالي، تمنح النص توتراً جمالياً عميقاً.
اللغة هنا شفيفة لكنها مشحونة بالدلالات، تعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح، وتستند إلى جمل قصيرة نسبياً تُكسب النص إيقاعاً هادئاً، أشبه بنبض داخلي متواتر.
ولا يغيب عن القارئ ذلك التماهي بين “الجميلة” و”الأرض”، إذ يتضح تدريجياً أن الحديث يتجاوز امرأة بعينها ليصل إلى رمزية الوطن أو الهوية الكبرى، خاصة في قوله: “كما تكون الأرض… آخر ما نقول وأول ما نكون”.
هذه الجملة تمثل ذروة شعورية، حيث تتكثف فيها كل معاني الانتماء والبدء والنهاية.
الماضي في النص ليس عبئاً، بل “جرح أضاء”، وهي صورة مدهشة تحوّل الألم إلى مصدر للمعرفة والنور.
أما الحاضر فهو وقوف، حالة تأمل وثبات، بينما المستقبل وعدٌ بالبقاء، وكأن الشاعر يعيد تشكيل الزمن وفق رؤيته الخاصة، لا كخط مستقيم، بل كدائرة شعورية متصلة.
الختام يحمل بعداً حوارياً رقيقاً، حيث تتحول “الجميلة” من موضوع إلى ذات متكلمة، ترد على الشاعر: “وأنت لي… بقدر ما تحب وبقدر ما تبقى”. هنا يبلغ النص ذروة التوازن؛ فالعلاقة ليست أحادية، بل تبادلية مشروطة بالحب والاستمرار. إن الانتماء الحقيقي، كما يوحي النص، لا يُمنح مجاناً، بل يُقاس بعمق العاطفة وصدق البقاء.
هذا النص ليس مجرد بوحٍ عاطفي، بل تأمل فلسفي في معنى الانتماء، حيث يمتزج الحب بالهوية، والذات بالمكان، ليولد خطاب شعري هادئ لكنه عميق الأثر، يترك في النفس صدىً طويلاً من التأمل والحنين.

قراءة أدبية راقية بقلم:
د.عادل جوده. العراق.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹


