المطران عطاالله حنا: ننادي بأن تتوقف الحرب الراهنة، والتي ستكون تداعياتها مأساوية وكارثية على الجميع

الحرب الراهنة تتطور بشكل دراماتيكي، وإذا لم تكن هناك حلول سريعة فنحن مقبلون على كوارث غير مسبوقة في التاريخ البشري الحديث، خاصة إذا ما تم استعمال الأسلحة والقذائف النووية، والتي هي في الواقع دمار شامل على الجميع.
أين هم العقلاء والحكماء في هذا العالم؟ وهنا أنا لا أتحدث عن القابع في البيت الأبيض، والذي هو أبعد ما يكون عن العقلانية والحكمة، حيث إنه أشعل نار الحرب، والتي لن تكون أمريكا بمنأى عن تداعياتها، وقد بات عدد كبير من الأمريكيين يعبرون عن رفضهم لهذه الحرب ومناداتهم بأن تتوقف.
يبدو أن القابع في البيت الأبيض إنما هو جزء من هذه الكارثة التي قد تتعرض لها الإنسانية كلها، لا سيما أنه بات معروفًا أنه مُسيَّر وليس مُخيَّرًا.
لا نتوقع خيرًا من القابع في البيت الأبيض، والذي يتخبط في تصريحاته وكلماته، وكأنه يعيش في عالم الأوهام، حيث أصبح جزءًا من المشكلة وجزءًا أساسيًا منها، وليس جزءًا من الحل.
أقول: أين هم الحكماء في هذا العالم لكي يوقفوا هذا الرئيس المتهور، الذي ادعى عندما تم انتخابه بأنه رجل سلام، ولكننا نراه اليوم رجل حروب بامتياز، ولم يفعل شيئًا من أجل تحقيق السلام في عالمنا، لا سيما في فلسطين الأرض المقدسة، التي يعاني شعبها من الاحتلال وممارساته الظالمة.
غريب هذا العالم الذي نعيش فيه، حيث بات زعماء العالم بغالبيتهم يتحدثون بلغة الصواريخ والقذائف والحروب والتهديد والوعيد، في حين أن هذا العالم يحتاج إلى قادة حكماء يعملون على إطفاء النيران المشتعلة، لا على صب الزيت عليها.
نتمنى أن يكون في هذا العالم قادة حكماء، لكي يقولوا للقابع في البيت الأبيض: توقف عن تهورك ومواقفك التي لن تدفع فاتورتها أمريكا وحدها، بل كل شعوب العالم.
عالمنا اليوم يحتاج إلى السلام، وإلى لغة المحبة والأخوة، وليس إلى استعمال الصواريخ والأسلحة بكافة مسمياتها وأوصافها. وأنا لا أدعي بأنني خبير في مثل هذه المسميات، ولكن ما أعرفه استنادًا إلى قيمنا الإيمانية والروحية والأخلاقية أننا نرفض الحروب ونرفض آلة الموت والدمار، التي يدفع ثمنها المدنيون. فهذا ما عشناه في فلسطين، وما عاشه أهلنا في غزة خلال عامين من حرب الإبادة.
الكارثة الكبرى في هذا العالم ليست فقط أن الحرب تتفاقم وتتطور بشكل دراماتيكي مأساوي، بل هناك أيضًا من يتجاهلون وجود الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة وحقه المشروع في أن يعيش بحرية وكرامة وسلام.
عندما تطاول رئيس الوزراء الإسرائيلي على السيد المسيح، اختفى الكثيرون ممن نصبوا أنفسهم مدافعين عن المسيحية، وكأن ما قاله لا علاقة له بالمسيحية، ولا يُعتبر إساءة للمخلص والفادي الذي أتى ليخلص البشرية ويعتقها من الخطيئة والرذيلة والموت.
ما أكثر المبشرين الكذبة في هذا العالم، الذين يلبسون ثوب التبشير بالمسيحية، والمسيحية منهم براء، وقد صمتوا صمت القبور أمام إساءات رئيس الوزراء الإسرائيلي للإيمان المسيحي.
إن بعض هؤلاء المبشرين الكذبة المتصهينين هم الذين يعملون على إعطاء غطاء أخلاقي لترامب في حروبه، في حين أنه لا يمكن أن يُعطى أي غطاء أخلاقي لأي حرب على الإطلاق. فبدلًا من أن يصلوا من أجل نجاحه في الحرب، كان من الأجدر أن يصلوا من أجل أن تتوقف الحرب، وأن تسود قيم المحبة والأخوة والسلام في هذا العالم. فأين هم هؤلاء من القيم المسيحية التي تنادي باحترام الإنسان وحقه في أن يعيش بأمن وأمان وسلام؟
هناك سجال في أمريكا اليوم بين من يقولون “أمريكا أولًا” أو “إسرائيل أولًا”، وأنا أقول لهم بأن ما يجب أن تفكروا به هو “الإنسانية أولًا”، وخير الإنسانية هو خير للجميع، أما التفكير بلغة التهديد والوعيد والحروب، فإن هذا لا يندرج ولا يصب في مصلحة أي جهة على الإطلاق.
كارثتنا اليوم أن هناك من يتجاهلون القضية الفلسطينية، ويمكن تشبيههم كالنعامة التي تضع رأسها في الرمال فتظن أنها في مكان آخر.
مأساتنا اليوم هي غياب العدالة، والعدالة تعني أن ينعم الفلسطينيون بحرية طال انتظارها، والتي في سبيلها قدموا وما زالوا يقدمون التضحيات الجسام.
من يتجاهلون القضية الفلسطينية ووجود الشعب الفلسطيني، ويعملون على شطب وجود فلسطين، إنما هؤلاء لا يريدون السلام، فالسلام لا يُبنى على حطام الشعب الفلسطيني، بل يُبنى من خلال سعي هادف لتحقيق العدالة وتحقيق الثوابت الفلسطينية التي يتمسك بها كل فلسطيني.
أقول للقادة الحكماء في هذا العالم (إن وجدوا): إن مفتاح السلام في عالمنا لا يمكن أن يكون إلا من خلال إنهاء الاحتلال وتحقيق أمنيات وتطلعات الشعب الفلسطيني.
ننادي بأن تنتهي الحرب الراهنة، فكفانا دمارًا وخرابًا ودماءً، وننادي بالالتفات إلى فلسطين، وخاصة أهلنا في غزة المنكوبة، وفي فلسطين كلها، الذين ليسوا بحاجة فقط للإغاثة، بل هم بحاجة للحرية، والحرية لا يمكن مقايضتها بأي شكل من الأشكال.
نرفع دعاءنا، ونحن في فترة الصوم الكبير، من أجل أن تتوقف الحرب الراهنة، ومن أجل أن يعطي الرب حكمة ورصانة لمن يتحكمون بمصائر الشعوب، لكي يعملوا على تحقيق العدالة المغيبة في هذه الديار.
الشرق الأوسط الجديد الذي نريده هو شرق أوسط تعيش فيه كافة الدول والأقطار العربية بطمأنينة وأمن وأمان، بعيدًا عن أي تهديد أو وعيد.
الشرق الأوسط الجديد الذي نريده هو شرق أوسط يسوده السلام، وفلسطين وقضيتها هي مفتاح السلام.
ننادي الأشقاء العرب، والذين من الأهمية بمكان أن يستخلصوا العبر مما حدث، وأن يلتفتوا إلى فلسطين، وأن يعطوا الاهتمام اللائق بعدالة القضية الفلسطينية، والتي لا يمكن لأي جهة في هذا العالم أن تشطبها أو تنال من عدالتها.
أقول للعرب جميعًا، ولكل شعوب منطقتنا: لا تقبلوا بالخطاب الذي يسعى لتقسيمكم وشرذمتكم وإضعافكم وإبعادكم عن قضيتكم الأولى، قضية الشعب الفلسطيني العادلة.
فسلام فلسطين هو سلام لهذا المشرق وشعوبه، وللعالم بأسره.
يا رب، السلام أعطنا السلام، وأعطِ عالمك قادة يعملون من أجل السلام، ويعملون من أجل سلام حقيقي في أرض الميلاد والقيامة والنور. عسى النور الإلهي الساطع من القبر المقدس ينير ظلمات هذا العالم، وينقي البصر والبصيرة في عالمنا، لكي يرى الناس جميعًا الحقيقة ويعملوا من أجل سلام حقيقي يُبنى على حرية وكرامة وأمن وأمان الإنسان الفلسطيني.

المطران عطاالله حنا

رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 28 آذار 2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com