حركة الحياة في قطاع غزة، من انتظام المدن إلى فوضى البقاء..نضال احمد جابر جودة

تُشكِّل حركةُ الحياة في جوهرها تعبيرًا عن انتظام الزمن داخل بنيةٍ مدنيةٍ مستقرة، حيث تتكامل المؤسسات، وتنتظم الخدمات، ويجد الإنسان مسارًا واضحًا للتعلم والعمل والعيش الكريم. غير أن هذا المعنى قد تعرّض في قطاع غزة لانهيار عميق، أعاد تعريف الحياة ذاتها من كونها مشروعًا للتقدم إلى معركةٍ يومية من أجل البقاء.
لقد تفككت ملامح المدينة، وتراجعت قدرتها على احتواء سكانها، لتحلّ محلها أنماط عشوائية فرضتها الضرورة القاسية؛ حيث أصبحت خيام النزوح ومراكز الإيواء بدائل قسرية عن البيوت، وغدا الفضاء العام محكومًا بإيقاع الطوارئ لا بمنطق التخطيط. ولم يعد هذا التحول مجرد تبدّلٍ في الشكل، بل انكسارًا في البنية، وانزلاقًا من حالة التنظيم إلى حالة الفوضى التي تعيد تشكيل كل تفاصيل الحياة.
وفي عمق هذا المشهد، تتجلى اختلالات اقتصادية واجتماعية فادحة؛ إذ يتفاقم الغلاء بصورة تستنزف ما تبقى من قدرة الناس على الاحتمال، وتظهر ممارسات استغلالية تستثمر في حاجات الإنسان الأساسية، في ظل غياب فعلي للرقابة وتآكل الدور التنظيمي. كما تحوّل السكن المؤقت إلى عبءٍ إضافي، يُثقل كاهل النازحين ويدفعهم إلى خيارات قسرية تُقوّض كرامتهم.
أما الإنسان، فهو الخسارة الأعمق في هذه المعادلة؛ فالأرملة التي فقدت معيلها تجد نفسها معلّقة في زمنٍ مفتوح على الانتظار، بلا أفق واضح ولا سند حقيقي، بينما يكبر اليتيم في بيئة مضطربة تُثقل وعيه المبكر بالفقد وعدم اليقين. وهنا لا تعود العشوائية ظرفًا طارئًا، بل تتحول إلى بنية ضاغطة تعيد تشكيل الوعي والسلوك، وتفرض على الإنسان أن يتكيف مع واقعٍ لا يشبه الحياة التي عرفها.
وفي السياق المؤسسي، تتعمّق الأزمة أكثر؛ إذ أصيبت المؤسسات التعليمية الحكومية بحالة شلل ممتدة، ما أدى إلى انقطاع المسار التعليمي وتآكل الدور التربوي. كما أن تعطل مؤسسات الإغاثة التعليمية، وعلى رأسها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، عمّق فجوة الوصول إلى التعليم، وحوّل العملية التعليمية من حق مستقر إلى فرصة متقطعة ومهددة.
وفي القطاع الصحي، تراجعت قدرة المؤسسات الحكومية على أداء دورها، ما أفسح المجال أمام تدخلات إغاثية تقودها جهات دولية مثل منظمة الصحة العالمية. وعلى الرغم من أهمية هذه التدخلات في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، إلا أنها كرّست نموذجًا قائمًا على إدارة الأزمة بدلًا من بناء منظومة صحية قادرة على التخطيط والاستدامة.
وفي قطاعٍ تُرك ليواجه مصيره خارج انتظام الفعل المؤسسي، تتكثّف القسوة حتى تصبح نمطَ حياة. هناك، لا يُقاس الظلم بحدثٍ عابر، بل بتراكمه في تفاصيل العيش: في رغيفٍ يتضاعف ثمنه لأن ضمير السوق غائب، وفي مأوى مؤقت يتحول إلى استنزافٍ دائم، وفي قرارٍ تائه بين من يملكه ومن يعجز عن تنفيذه. الإنسان الفلسطيني هنا لا يُحاصَر بالجغرافيا فقط، بل يُثقل أيضًا بفوضى الداخل، حيث تختلط الحاجة بالاستغلال، ويغدو الضعف فرصةً لابتزازٍ صامت.
إن المحصلة النهائية لهذه التحولات هي إعادة تشكيل جذرية لمفهوم الحياة في قطاع غزة؛ حيث لم تعد الحياة مشروعًا قابلًا للتخطيط، بل واقعًا مفروضًا تُديره الضرورة، ولم يعد الإنسان يسعى إلى تحسين شروط عيشه بقدر ما يسعى إلى الحفاظ على الحد الأدنى من البقاء. وهنا تتجلى المأساة في أقسى صورها: حين تتحول الحياة من حقٍ طبيعي إلى عبءٍ يومي، ومن أفقٍ مفتوح إلى انتظارٍ لا ينتهي.



