السور الواقي … الاجتياح الأكبر وحصار الرمز في معركة كسر الإرادة.. أبو شريف رباح

في ربيع العام 2002 لم تكن الضفة الغربية على موعد مع عملية عسكرية عابرة فحسب بل مع واحدة من أكثر المحطات قسوة وعمقا في تاريخ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، تحت اسم السور الواقي شن جيش الاحتلال الإسرائيلي اجتياحا واسع النطاق شارك فيه ما يقارب عشرين ألف جندي مدعومين بمئات الدبابات والآليات والطائرات في مشهد أعاد إلى الأذهان صور الحروب الكلاسيكية لا مجرد عملية أمنية محدودة.

العملية لم تكن مجرد رد عسكري على تصاعد العمليات خلال انتفاضة الأقصى بل جاءت ضمن سياق سياسي وأمني أوسع سعى من خلاله الاحتلال إلى إعادة رسم معادلة السيطرة في الأراضي الفلسطينية وضرب البنية التحتية للسلطة الوطنية وإعادة احتلال المدن التي كانت قد خرجت من قبضته بعد اتفاقيات أوسلو، الذريعة المعلنة كانت اعتراض سفينة “كارن A” المحملة بالأسلحة في البحر الأحمر حيث سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أريئيل شارون إلى اتهام الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بالوقوف خلفها معتبرا أن ذلك دليل على تورط مباشر في دعم العمل المسلح، غير أن هذه الحادثة في نظر كثير من المراقبين لم تكن سوى مدخل لقرار كان معد سلفا هدفه إنهاء دور عرفات السياسي وقتله.

وبدأت الدبابات الإسرائيلية باجتياح مدن الضفة الغربية تباعا من جنين التي شهدت واحدة من أعنف المعارك إلى نابلس وبيت لحم والخليل وطولكرم وقلقيلية، حيث فرضت القوات الإسرائيلية حظر تجول شامل وقطعت المياه والكهرباء وعزلت المدن عن بعضها البعض في محاولة لكسر الروح المعنوية للسكان وشل الحياة بشكل كامل، وفي مخيم جنين تحديدا تحولت المواجهة إلى معركة مفتوحة استخدمت فيها إسرائيل القوة المفرطة ما أدى إلى دمار واسع وخسائر بشرية كبيرة، أما في نابلس فقد شهدت البلدة القديمة عمليات اقتحام وتفتيش عنيفة ترافقت مع اعتقالات واسعة وتدمير للبنية التحتية، لم يكن الهدف فقط ملاحقة مجموعات المقاومة بل إعادة فرض السيطرة الأمنية الكاملة على الضفة الغربية وإرسال رسالة مفادها أن أي شكل من أشكال الحكم الفلسطيني يمكن أن يلغى في أي لحظة بالقوة.

في المقاطعة كان حصار الرئيس واستهداف الرمز ياسر عرفات، فقد بلغت العملية ذروتها في 29 آذار 2002، عندما فرض جيش الاحتلال حصارا مشددا على مقر الرئاسة الفلسطينية بالمقاطعة في مدينة رام الله حيث كان يقيم الرئيس ياسر عرفات، فحاصرت الدبابات المكان من كل الجهات وبدأت الجرافات بتدمير أجزاء كبيرة من المبنى، في مشهد كان يحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري إلى محاولة كسر رمز سياسي وتاريخي، داخل المقاطعة عاش عرفات ومن معه ظروفا قاسية للغاية مع انقطاع شبه كامل للكهرباء والمياه ونقص في الغذاء والدواء وعزلة عن العالم الخارجي، ومع ذلك رفض مغادرة المكان أو الاستسلام رغم الضغوط الدولية والإقليمية التي مورست عليه، وفي تلك اللحظة أطلق عرفات عبارته التي ستبقى محفورة في الذاكرة الفلسطينية، “يريدونني أسيرا أو طريدا أو قتيلا .. وأنا أقول لهم شهيداً… شهيداً… شهيداً ، لم تكن مجرد كلمات بل إعلان موقف يعكس تمسكه بالبقاء في الأرض ورفضه لأي حل يفرض بالقوة حتى لو كان الثمن حياته.

بين الحصار والسياسة ومحاولة إعادة تشكيل المشهد
استمر الحصار نحو خمسة وثلاثين يوما لكنه في الواقع امتد سياسيا لسنوات لاحقة حيث بقي عرفات محاصرا في المقاطعة ومقيد الحركة وتحت رقابة مشددة، لكن على الأرض لم تنجح هذه المحاولات في كسر مكانته الشعبية بل على العكس عزز الحصار صورته كرمز للصمود الوطني وجعل من المقاطعة أيقونة للمقاومة السياسية تماما كما كانت بعض المدن والمخيمات أيقونات للمقاومة الميدانية.

ومع تدهور حالته الصحية في العام 2004 سمح لعرفات بمغادرة رام الله للعلاج في باريس في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات، ولم تمض فترة طويلة حتى أُعلن عن استشهاده في ظروف بقيت غامضة وسط اتهامات فلسطينية مباشرة لإسرائيل باغتياله عبر التسميم وهو ما لم يحسم بشكل قاطع حتى اليوم، رحل عرفات جسدا لكن الحصار الذي فرض عليه بقي حاضرا في الذاكرة كواحد من أبرز محاولات تصفية القيادة الفلسطينية سياسياً ومعنوياً.

لم تكن عملية السور الواقي مجرد حملة عسكرية بل مشروعا متكاملا لإعادة احتلال الضفة الغربية وتفكيك السلطة الفلسطينية وإزاحة رمزها التاريخي ورغم حجم القوة المستخدمة والدمار الذي خلفته فإنها لم تحقق هدفها الأعمق وهو كسر الإرادة الفلسطينية، وأثبتت تلك المرحلة أن القوة العسكرية مهما بلغت تعجز عن إنهاء فكرة متجذرة في وعي شعب وأن الرموز حين تتحول إلى جزء من الهوية الوطنية لا يمكن محاصرتها بالجدران أو الدبابات، والسور الواقي لم يكن فقط اجتياحا للأرض بل اختبارا لإرادة شعب وقيادة وفي هذا الاختبار بقيت القضية حية وبقيت المقاطعة رغم الركام شاهدا على أن الحصار قد يقيد الجسد لكنه لا يستطيع أن يخضع الروح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com