قانون إعدام الأسرى: شرعنة القتل وانحدار نحو الفاشية القانونية.. بقلم: د. عبد الرحيم جاموس

في تطور بالغ الخطورة، أقدم الكنيست الإسرائيلي على إقرار ما يُعرف بقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، في خطوة لا يمكن قراءتها بوصفها إجراءً تشريعياً عادياً، بل باعتبارها انتقالاً نوعياً نحو “تقنين القتل” ومنح الجريمة غطاءً قانونياً. إن هذا التشريع لا يشكل فقط انتهاكاً جديداً بحق الشعب الفلسطيني، بل يمثل ضربة مباشرة لأسس النظام القانوني الدولي، ويضع العالم أمام اختبار أخلاقي وقانوني غير مسبوق.
من حيث المبدأ، يتعارض هذا القانون بشكل صارخ مع أحكام اتفاقيات جنيف، التي تنص بوضوح على حماية الأسرى وضمان حقوقهم الأساسية، بما في ذلك الحق في محاكمة عادلة أمام جهة قضائية مستقلة ومحايدة. غير أن الإشكالية الجوهرية هنا تتجاوز مسألة الإجراءات، لتطال طبيعة الجهة التي تدّعي حق المحاكمة؛ إذ كيف يمكن لسلطة احتلال، متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، أن تنصّب نفسها قاضياً وجلاداً في آنٍ واحد؟
إن هذا التشريع يضرب عرض الحائط كذلك بمبادئ القانون الجنائي الدولي، ويقوّض الأساس الذي قامت عليه العدالة العالمية بعد الحرب العالمية الثانية، حين جرى التأكيد على أن الجرائم الجسيمة لا يمكن أن تُغطى بقوانين محلية. ولنا في تجارب التاريخ أمثلة صارخة، حيث استخدمت أنظمة عنصرية القوانين لتبرير القمع، كما في نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، أو في القوانين النازية التي شرعنت الاضطهاد. إن القاسم المشترك بين تلك التجارب وهذا التشريع هو تحويل القانون من أداة للعدالة إلى أداة للهيمنة.
سياسياً، يعكس هذا القانون صعود تيار متطرف داخل إسرائيل، يتبنى خطاباً قائماً على الانتقام والعقاب الجماعي، وتدعمه قيادات مثل بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير، اللذين يسعيان إلى إعادة تشكيل قواعد الصراع بما يتجاوز كل الأعراف الدولية. هذا التيار لا يرى في القانون الدولي مرجعية ملزمة، بل عائقاً يجب الالتفاف عليه، وهو ما يفسر هذا الاندفاع نحو تشريعات تحمل طابعاً انتقامياً صريحاً.
غير أن الأخطر في هذا السياق هو ما يمكن تسميته بـ“الفاشية القانونية”، حيث يتم توظيف المؤسسات التشريعية لإضفاء الشرعية على ممارسات تنتهك جوهر العدالة. فبدلاً من أن يكون القانون أداة لضبط السلطة، يتحول إلى أداة بيدها، تستخدمه لتبرير القمع وتكريسه. وهذا التحول لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد فكرة القانون نفسها، ويفتح الباب أمام سابقة خطيرة في العلاقات الدولية.
على صعيد القانون الدولي، فإن هذا التشريع، إذا ما تم تطبيقه، قد يندرج ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، باعتباره شكلاً من أشكال الإعدام خارج نطاق المحاكمة العادلة، أو جريمة حرب إذا ما ارتبط بسياسة ممنهجة تستهدف فئة محمية. إن مبدأ عدم الإفلات من العقاب، الذي يشكل حجر الزاوية في العدالة الدولية، يقتضي ملاحقة كل من يساهم في سنّ أو تنفيذ مثل هذه القوانين.
أما الأمم المتحدة، فهي اليوم أمام مسؤولية تاريخية. فالاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً، في ظل تصاعد هذه السياسات. المطلوب هو الانتقال من مرحلة التوصيف إلى مرحلة الفعل، عبر تفعيل آليات المساءلة الدولية، وفرض عقوبات رادعة، وتوفير حماية حقيقية للشعب الفلسطيني، بما في ذلك الأسرى الذين يواجهون تهديداً وجودياً.
فلسطينياً، يفرض هذا التطور إعادة صياغة الاستراتيجية الوطنية، على قاعدة توحيد الصف وتفعيل أدوات القانون الدولي. إن تدويل قضية الأسرى لم يعد خياراً، بل ضرورة ملحّة، تستدعي تحريك الدعاوى أمام المحاكم الدولية، وتكثيف الجهود الدبلوماسية والإعلامية لفضح هذا التشريع وخطورته.
عربياً، فإن الصمت أو الاكتفاء بالمواقف التقليدية لم يعد مقبولاً. المطلوب هو تفعيل أدوات الضغط السياسي والاقتصادي، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها قضية مركزية. كما أن التنسيق العربي في المحافل الدولية يمكن أن يشكل قوة ضغط حقيقية، إذا ما تم توظيفه بشكل فعّال.
دولياً، ينبغي على القوى الفاعلة ومنظمات حقوق الإنسان أن تدرك أن التغاضي عن مثل هذه التشريعات لا يعني سوى تقويض النظام الدولي القائم على القواعد. فاليوم فلسطين، وغداً قد تكون أي دولة أو شعب آخر عرضة لمثل هذه السياسات. إن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين هو في جوهره دفاع عن القانون الدولي نفسه.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى قانون إعدام الأسرى إلا بوصفه إعلاناً عن مرحلة جديدة من الصراع، تتسم بمحاولة كسر الإرادة الفلسطينية عبر أدوات قانونية زائفة. غير أن التاريخ يعلّمنا أن القوانين الجائرة لا تصمد، وأن العدالة، مهما تأخرت، تبقى أقوى من كل محاولات طمسها.
إن الرسالة التي يجب أن تصل واضحة اليوم: إن شرعنة الجريمة لن تمنحها مشروعية، وإن الصمت الدولي لن يحمي النظام العالمي من التآكل، وإن الشعب الفلسطيني، رغم كل هذه السياسات، سيواصل نضاله المشروع حتى نيل حقوقه الوطنية، وفي مقدمتها الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة على أرضه.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
31/3/2026

( قانون إعدام الأسرى)
🌟يقدّم هذا النص قراءة سياسية–قانونية مكثّفة، تنتمي إلى خطاب نقدي رصين يسعى إلى تفكيك ما يعتبره تحوّلاً خطيراً في بنية التشريع الإسرائيلي، عبر ما سُمّي بقانون إعدام الأسرى.

قراءة تحليلية بقلم:
د.عادل جوده العراق

✨ ومنذ العنوان، يضع الكاتب المتلقي أمام ثنائية صادمة: “شرعنة القتل” و“الفاشية القانونية”، وهي صياغة تحمل شحنة دلالية عالية، تؤسس لنبرة المقال بوصفه موقفاً أخلاقياً بقدر ما هو تحليل قانوني.
ينطلق الكاتب من مرجعية اتفاقيات جنيف ليؤكد أن هذا التشريع، في حال توصيفه كما يطرح، يصطدم مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، خاصة ما يتعلق بحماية الأسرى وضمان محاكمة عادلة. غير أن القيمة التحليلية للنص لا تقف عند حدود الاستشهاد القانوني، بل تتعمق في إشكالية “ازدواجية الدور”، حيث تتحول سلطة الاحتلال –وفق الطرح– إلى خصمٍ وقاضٍ في آنٍ واحد، وهو ما يضرب فكرة العدالة في جوهرها.
ويعزّز الكاتب منطقه بالمقارنة التاريخية، مستحضراً نماذج مثل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والقوانين النازية، ليؤكد أن الخطر لا يكمن فقط في النص القانوني ذاته، بل في توظيف القانون كأداة للهيمنة. هذه المقاربة تمنح المقال بعداً تحذيرياً، إذ تضع التشريع في سياق أوسع من “انحراف القانون” عن وظيفته الأصلية كحامٍ للحقوق.
سياسياً، يربط الكاتب هذا التطور بصعود تيار يميني متشدد داخل إسرائيل، ممثلاً بشخصيات مثل بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير، حيث يرى أن هذا التيار يعيد صياغة قواعد الصراع بمنطق القوة لا بمنطق القانون. وهنا، ينجح النص في الربط بين التشريع والسياق السياسي، مما يمنحه تماسكاً تفسيرياً ويبعده عن الطرح المجتزأ.
أما على الصعيد الدولي، فيستحضر الكاتب دور المحكمة الجنائية الدولية، مشيراً إلى إمكانية إدراج مثل هذه الممارسات ضمن اختصاصها، في حال تكييفها كجرائم حرب أو انتهاكات جسيمة. كما يوجّه نقداً ضمنياً لأداء الأمم المتحدة، معتبراً أن بيانات الإدانة لم تعد كافية، في ظل ما يصفه بتآكل فعالية النظام الدولي.
بلاغياً، يتميز النص بلغة قوية متماسكة، تجمع بين الحجاج القانوني والنبرة الأخلاقية، دون أن يفقد توازنه. إذ يتجنب الانزلاق إلى خطاب عاطفي صرف، ويحتفظ ببنية تحليلية قائمة على التسلسل المنطقي: من القانون، إلى التاريخ، إلى السياسة، ثم إلى الفعل الدولي المطلوب.
في المحصلة، يمكن القول إن المقال لا يكتفي بوصف حدث تشريعي، بل يسعى إلى تأطيره ضمن تحوّل أعمق في علاقة القانون بالسلطة. وهو بذلك يقدّم خطاباً تحذيرياً موجهاً ليس فقط إلى المعنيين بالقضية الفلسطينية، بل إلى كل من يرى في القانون الدولي منظومة لحماية الإنسان. إنها قراءة تضع القارئ أمام سؤال جوهري: ماذا يحدث حين يفقد القانون روحه، ويصبح أداة في يد القوة بدل أن يكون قيداً

تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com