يوم الأرض . 30 آذار – مارس.. ذكرى واقع لم يتوقف.. بقلم/ إحسان بدرة

ذالك اليوم لا يكتب بصوت واحد نشعر ونفهم ونواجه .
فهذا اليوم لم يكن يوما عابرا بل لحظة تحول ما زالت مستمرة حيث شكل ذلك الحدث محطة منفصلية في تاريخ الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948م لما خرجوا دفاعا عن أرضهم في وجه سياسات المصادرة فقط 6 شهداء عندها كتبت لحظة وعي جماعي لم تتوقف آثارها حتى اليوم.
يوم الأرض لم يمثل احتجاجا عابرا بل مثلا إعلانات واضحا بأن الأرض ليست مجرد مساحة بل هوية و جود ومساحة كيان وزاوية وعي .
ومنذ ذلك التاريخ لم تتوفق السياسات التي تستهدف الأرض من المصادرة إلى التوسع الاستيطاني مما يجعل هذه الذكرى وذلك الحدث واقع حاضرا لا حدث ماضي .
واستمرار يوم الأرض اليوم لا يقتصر على استذكار ما جرى بالأمس بل يتجاوز كل الحدود إلى فهم ما يجري حيث تستمر محاولات فرض واقع جديد على الأرض في سياق سياسي جديد يعيد تشكيل الجغرافيا بما يخدم مشروعا أوسع .
.ويوم الأرض بهذا المعني ليست بينما عادي في التقويم بل اختبارا مستمرا للوعي والموقف.
الذاكرة لا تموت ..
كنا ومازلنا ندافع ونذكر أرضنا وبيوتنا وملكياتنا التي نهبها الاحتلال من أجدادنا بالقوة والإرهاب والقتل منذ 1948مرورا بعام1976 حيث مارس الإحتلال كل صور الإرهاب لنزع الأرض من أصحابها ونزع ملكيتها..
يوم الأرض 30/3 يوم صعب جدا
لم تكن الحجارة هى السلاح الوحيد بل كانت الأرواح هى البذرة والدماء هى الماء لذي سقى شجرة الصمود
عندها وقف أبناء الجليل والمثلث والنقب بصدورهم العا رية أمام دبابات الاحتلال، ليقولوا للعالم بصوتٍ واحد: “هذه أرضنا، وهذه هويتنا، ولا قوةَ في الكون تستطيع اقتلاعنا منها”.
يوم الأرض ليس مجرد تاريخ يسجل في التقويم بل هو بمثابة نبض مستمر في شرايين كل فلسطيني وفي ضمير. كل حر في هذا العالم فيوم الأرض ليس مجرد تراب ومياه بل الأرض هى أم تحتضن أحلام أبنائها وهي من الزاوية الأخرى شاهدا عل. حكايات الجدود ويوم الأرض السجل الوحيد الذي يحمل أسماء القرى المهجرة والمدن المقهورة .. وكثيرا حالوا طمس المعالم وتغيير الأسماء وبناء المستوطنات فوق رفات الشهداء ولكنهم نسوا أن جذور شعبنا أعمق من أي نسيان ..
كل زيتون وكل زهرة نعناع وشلة ريحان وكل برتقالة في يافا وحيفا وعكا وكل حجر في القدس القديمة تروي قصة مقاومة صامتة تتحول إلى صرخة قوية كلما حل هذا اليوم.
30 آذار _ مارس 1976م
الحكاية لم تكن حكاية أرض تصادر بل حكاية إرادة حق شرعية ملكية الأرض .
وحين ارتفع صوت توفيق زياد، لم يكن يعلن موقفًا بقدر ما كان يعيد الأمور إلى أصلها:
أن القرار، في لحظاته الحاسمة، لا يُستعار بل يُنتزع.
وأن الشعب، حين يُستدعى حقه، لا ينتظر الإذن
من هناك، من تلك المسافة المشحونة بين الداخل والخارج، بين اجتماعٍ مُثقلٍ بالضغوط، وشارعٍ يغلي بما يكفي، بدأت الحكاية تأخذ شكلها الحقيقي.
وكان الرد على جريمة الاحتلال بالقتل والمغادرة المواجهة بحق من يملك حق القرار ؟
واجاب الناس بأقدامهم قبل أصواتهم أقدامهم وتحول الإضراب إلى ما هو أبعد من فعل احتجاجي ولحظة تشكيل اندمج فيها الوعي بالفع والتنظيم بالاندفاع. فولد شيء يشبه المعنى ويشبه الكرامة.
ولم تكن التضحيات في ذلك اليوم هامشا بل كانت قلبها النابض وإيقاعها العميق.ستة شهداء صارت ذاكرة ولكنها في الحقيقة هى أكثر من ذلك.كانت حدًا فاصلًا بين من يكتفي بالكلمات ومن يدفع ثمنها.

كأنهم لم يرحلوا، بل تركوا السؤال مفتوحًا في وجوهنا:
ماذا تفعلون الآن… بما دفعناه يومها؟
وتمر السنوات بنا ويبدو المشهد وكأنه يعيد نفسه …
الأرض ذاتها والخطر نفسه بل أشد وضوحا وأقل موارية . لكن ما يتغيّر، بهدوءٍ لا يُرى، هو نحن ….
ليس في القدرة، بل في الكيفية.
ليس في الإمكانات، بل في المعنى الذي يجمعها.
في ذلك اليوم لم يكن الناس أكثر عددا ولكنهم كانوا أكثر اتصالا ببعضهم وبفكرهم عن أنفسهم وإيمان بسيط وحاسم أنهم معا.
أما اليوم فثمة مسافات تتسلل بيننا لا تقاس بالجغرافيا بل بما يتأكل من يقين
الخطر ليس أن نخسر الأرض فقط بل أن نخسر المعنى الذي يجعلها لنا.

يوم الأرض، في جوهره، لم يكن انتصارًا عسكريًا، ولا لحظة عاطفية عابرة، بل كان ترتيبًا دقيقًا لعلاقةٍ معقدة:
بين الشعب ونفسه أولًا.
وحين استقامت تلك العلاقة، صار كل شيءٍ بعدها ممكنًا.
صار الفعل أوضح من الخوف، والقرار أقوى من التردد.
لهذا، لا تبدو الذكرى اليوم دعوةً للاحتفاء بقدر ما هي دعوةٌ للتأمل.
لا في ما كان فقط، بل في ما يجب أن يكون.
فالأرض، التي احتملت كل هذا الثقل، لا تطلب الكثير سوى أن نكون، كما كنا في لحظةٍ واحدةٍ صادقة.
خمسون عام من التضحية والارادة والصبر والمواجهة وهذه ليست بمسافة زمنية بل مرآة نرى فيها صورتين ….
صورة شعب حين التحم صار قوة وصورة واقع يبحث عن تلك اللحظة من جديد ولا يجدها بسهولة.
فالزمن لا يقف نحن الذين نقف
والسؤال اليوم وفي الذكرى الخمسين ليوم الأرض ؟؟
هل ما زلنا نعرف الطريق
أم فقدنا البوصلة ونحن نحدّق في الذاكرة؟

صحفي وناشط سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com