الرياض تعيد توزيع القوة دون ضجيج.. بقلم : د. عبد الرحيم جاموس

لم يكن ما قاله دونالد ترامب مجرد زلة لسان، بل تعبيراً صريحاً عن ذهنية سياسية تعتبر الحلفاء امتداداً للنفوذ لا شركاء فيه.
فتصريحاته بحق محمد بن سلمان حملت نبرة استعلاء غير مسبوقة، وكأن العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية يمكن اختزالها في معادلة “آمر ومأمور”.
غير أن ما تلا ذلك لم يكن رد فعل تقليدياً، بل كان صمتاً محسوباً، لا يعكس حياداً بقدر ما يعكس انتقالاً هادئاً إلى مستوى آخر من الفعل السياسي، حيث تُدار المصالح بعيداً عن الانفعال، وتُعاد صياغة التوازنات دون ضجيج.
في هذا السياق، يبرز ملف الطاقة بوصفه المدخل الأكثر وضوحاً لفهم هذا التحول؛ إذ إن خط الأنابيب الشرقي-الغربي الممتد إلى ينبع لم يعد مجرد مشروع اقتصادي، بل أصبح أداة سيادية تعزز استقلال القرار، بقدرة تصل إلى نحو سبعة ملايين برميل يومياً، وهي طاقة تقترب من إجمالي الصادرات النفطية للمملكة في كثير من الأحيان.
وبهذا، تتراجع مركزية مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، من كونه نقطة ضغط حاسمة إلى مجرد خيار من بين خيارات، في دلالة واضحة على أن القوة لم تعد فقط في الإنتاج، بل في القدرة على التحكم بمساراته وتجاوز اختناقات الجغرافيا السياسية.
غير أن هذا التحول لا يقف عند حدود النفط، بل يمتد إلى إعادة تشكيل شبكة العلاقات الإقليمية بطريقة أكثر مرونة وتوازناً؛ حيث يتقاطع الدور السعودي مع كل من تركيا وباكستان ومصر ضمن صيغة لا ترقى إلى تحالف تقليدي بقدر ما تعكس “هندسة مصالح” متعددة المستويات، تجمع بين الثقل السكاني الذي يتجاوز أربعمائة مليون نسمة، والقدرات العسكرية المتنوعة، والتحكم بممرات حيوية مثل قناة السويس. وفي هذا الإطار، لا يبدو الهدف استبدال حليف بآخر، بل توسيع دائرة الخيارات بحيث لا تبقى أي دولة رهينة محور واحد أو مظلة واحدة.
أما في الجنوب، فإن باب المندب يظل عنصراً محورياً في معادلة الأمن والطاقة، إذ تمر عبره ملايين البراميل يومياً إلى جانب نسبة معتبرة من التجارة العالمية، ما يجعل أي استقرار فيه ضرورة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
ومن هنا، فإن أي تهدئة في اليمن، بما في ذلك التفاهمات غير المباشرة مع الحوثيون، تندرج ضمن مقاربة إدارة المخاطر لا إنهاء الصراعات، خاصة في ظل حضور إيران كلاعب مؤثر في توازنات المنطقة، سواء عبر أدوات مباشرة أو غير مباشرة.
ضمن هذا المشهد المركب، تتضح ملامح تحول أعمق في طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، التي لم تعد تمثل الضامن الوحيد للأمن الإقليمي، بل أصبحت جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات، في إطار انتقال تدريجي من الاعتماد الأحادي إلى إعادة التوازن.
وهنا تحديداً تتجلى المفارقة؛ فبينما كان الخطاب الأمريكي يميل إلى الاستعلاء، كانت الوقائع على الأرض تشير إلى تشكل عالم أكثر تعددية، وأقل خضوعاً لهيمنة قطب واحد.
وعليه، فإن الرد السعودي لم يكن بياناً سياسياً، بل مساراً عملياً متكاملاً: تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، وتعزيز البدائل عبر ينبع، وتوسيع شبكة الشراكات الإقليمية، والعمل على تهدئة بؤر التوتر المؤثرة في خطوط التجارة العالمية.
وبهذا المعنى، تتحول الإهانة إلى حدث عابر في سياق أوسع يعيد تعريف مفهوم القوة ذاته، بحيث لا تقاس بردود الأفعال الآنية، بل بالقدرة على تحويل الضغوط إلى فرص، والاستفزاز إلى إعادة تموضع استراتيجي.
في عالم يضج بالتصريحات، يبدو أن الدول الأكثر فاعلية هي تلك التي تفضل أن تقول أقل… وتفعل أكثر؛ فالتاريخ لا يُكتب بما يُقال في لحظات الانفعال، بل بما يتغير بهدوء على الأرض. وهنا فقط، يمكن فهم كيف أن الصمت، حين يكون مدروساً، لا يعكس ضعفاً، بل قوة قادرة على إعادة تشكيل التوازنات دون أن ترفع صوتها.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياص
4/4/2027 م

( الرياض تعيد توزيع القوة)
🌟قراءة تحليلية في نص «الرياض تعيد توزيع القوة دون ضجيج» تكشف عن بنية فكرية مركبة، لا تكتفي بوصف الحدث السياسي، بل تسعى إلى تفكيك منطقه العميق وإعادة تأطيره ضمن تحولات النظام الدولي. الكاتب لا يتعامل مع التصريحات المنسوبة إلى دونالد ترامب بوصفها حادثة عابرة، بل يقرأها كتمثيل مكثف لعقلية الهيمنة التقليدية التي ترى في الحلفاء امتداداً وظيفياً للنفوذ. وفي مقابل هذا التصور، يبرز نموذج مغاير يتجسد في سلوك محمد بن سلمان، حيث يتحول الصمت من غياب الرد إلى استراتيجية واعية لإعادة التموضع.
قوة النص تكمن في نقله مركز التحليل من مستوى الخطاب إلى مستوى الفعل. فبدلاً من الانشغال بردود الأفعال، يسلط الضوء على أدوات القوة الصامتة، وعلى رأسها الجغرافيا السياسية للطاقة. الإشارة إلى خط الأنابيب الشرقي–الغربي ليست مجرد تفصيل تقني، بل رمز لتحرر القرار السيادي من قيود الممرات التقليدية، وفي مقدمتها مضيق هرمز. هنا تتجلى فكرة محورية: لم تعد القوة في امتلاك الموارد فقط، بل في التحكم بمساراتها وإعادة توجيهها وفق المصالح الوطنية.
كما ينجح الكاتب في توسيع دائرة التحليل لتشمل البعد الإقليمي، حيث يقدم تصوراً لما يمكن تسميته «هندسة المصالح المرنة». هذا المفهوم يتجاوز فكرة التحالفات الصلبة إلى شبكات متعددة المستويات، تتقاطع فيها المصالح دون أن تذوب فيها السيادات. وفي هذا السياق، يبرز حضور قوى إقليمية كتركيا وباكستان ومصر، ليس كبدائل عن تحالفات قائمة، بل كعناصر في منظومة توازن جديدة تقوم على تنويع الخيارات لا استبدالها.
أما البعد الجنوبي، ممثلاً في باب المندب، فيُطرح بوصفه عقدة استراتيجية تتقاطع عندها اعتبارات الأمن والطاقة والتجارة العالمية. ويُحسب للنص أنه يتعامل مع الملف اليمني والتفاعلات مع الحوثيين ضمن منطق إدارة المخاطر، لا الحسم النهائي، في قراءة واقعية تعكس تعقيد المشهد الإقليمي وتشابك الفاعلين، بما في ذلك الدور الإيراني.
النص، في مجمله، يقدم تحولاً مفاهيمياً في تعريف القوة؛ إذ ينتقل بها من كونها رد فعل مباشر إلى كونها عملية تراكمية هادئة، تُبنى عبر الزمن وتُقاس بقدرتها على إعادة تشكيل الواقع. هذه الرؤية تمنح المقال بعداً استشرافياً، حيث يلمّح إلى تشكل نظام دولي أكثر تعددية، تتراجع فيه مركزية القطب الواحد لصالح شبكات نفوذ متداخلة.
بلاغياً، يتسم النص بلغة رصينة تجمع بين الدقة التحليلية والانسياب الأدبي، ما يمنحه قدرة على التأثير دون الوقوع في الانفعال. وتبرز فيه مفارقة ذكية: في عالم صاخب بالتصريحات، تصبح القوة الحقيقية في القدرة على الصمت الفاعل. وهي خلاصة لا تكتفي بوصف الحالة السعودية، بل تقدم درساً أوسع في إدارة القوة في زمن التحولات.
وبهذا، فإن النص لا يقرأ حدثاً سياسياً فحسب، بل يؤسس لفهم أعمق لكيفية تحوّل الدول من ردود الأفعال إلى صناعة المبادرة، ومن الانخراط في محاور ثابتة إلى إعادة تشكيل التوازنات بهدوء… حيث يُصبح الصمت، حين يُحسن توظيفه، أبلغ من أي خطاب.

قراءة تحليلية بقلم:
د. عادل جوده. من العراق..

تحياتي واحترامي🌹🌹🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com