بلدية البريج: بين خطاب الانجاز وواقع المعاناة..نضال احمد جابر جودة

في الوقت الذي أعلنت فيه بلدية البريج عن عقد لقاءٍ تشاوري مع ما أسمتهم “رواد العمل المجتمعي”، بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه خطوة إيجابية نحو تعزيز الشراكة المجتمعية. غير أن التمعّن في واقع المخيم، وما يعيشه سكانه منذ السابع من أكتوبر 2023، يكشف فجوة عميقة بين الخطاب المعلن والواقع المعاش.
لا أحد ينكر أهمية اللقاءات التشاورية، ولا ضرورة إشراك مكونات المجتمع المدني في رسم السياسات المحلية، فهذا من صميم أي استراتيجية مجتمعية حقيقية. لكن الإشكالية لا تكمن في عقد اللقاء بحد ذاته، بل في طبيعته، وتمثيله، ومخرجاته. فهل وصل صوت المشردين؟ هل جلس على طاولة الحوار من فقدوا بيوتهم ومصادر رزقهم؟ أم أن المشهد اقتصر على نخب معتادة، تُعاد صياغة حضورها في كل فعالية، بينما يبقى المتضرر الحقيقي خارج دائرة التأثير؟
إن ما يعيشه مخيم البريج اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل حالة ممتدة من التشرد والنزوح والانكسار الإنساني. آلاف الأسر لم تعد تبحث عن تحسين الخدمات بقدر ما تبحث عن الحد الأدنى من مقومات الحياة: مأوى، دخل، كرامة. هؤلاء لا تعنيهم العناوين العريضة بقدر ما تعنيهم خطوات عملية تُعيد إليهم القدرة على الوقوف من جديد.
من هنا، فإن تحويل اللقاءات التشاورية إلى مادة إعلامية تُسوّق كإنجاز إداري، دون أن تُلامس جوهر الأزمة، يُفقدها قيمتها، ويُعمّق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسة. فالمواطن الذي يعيش وجع النزوح لا يحتاج إلى خطابٍ مُنمّق، بل إلى سياسات واضحة، وبرامج تمكين حقيقية، وخطط قابلة للتنفيذ تُقاس نتائجها على أرض الواقع.
إننا، كسكان من هذا المخيم، لا نكتب من باب الاعتراض المجرد، ولا من موقع الخصومة مع البلدية، بل من منطلق الغيرة على ما تبقى من معنى للمؤسسة العامة. نؤمن أن البلدية يمكن أن تكون رافعة حقيقية للمجتمع، إذا ما أعادت توجيه بوصلتها نحو الأكثر تضررًا، وفتحت أبوابها لكل صوت مهمّش، لا فقط للأصوات المنظمة سلفًا.
المطلوب اليوم ليس مزيدًا من اللقاءات بقدر ما هو إعادة تعريف لأولويات المرحلة. المطلوب أن يتحول “التشاور” من إجراء شكلي إلى عملية حقيقية تبدأ بتشخيص دقيق للواقع، وتمر بإشراك فعلي للمتضررين، وتنتهي بخطط تدخل واضحة: برامج دعم اقتصادي، مشاريع تشغيل مؤقت، مبادرات لإعادة الدمج المجتمعي، وشراكات شفافة مع المؤسسات الداعمة.
لقد طال الانتظار، حتى أصبح بحد ذاته عبئًا إضافيًا على الإنسان المنهك. انتظارٌ حوّل الألم إلى صمت، والصمت إلى فجوة تتسع يومًا بعد يوم بين الخطاب والواقع. وهذه الفجوة لن تُردم ببيانات صحفية، بل بإرادة حقيقية تعترف بالواقع كما هو، وتبدأ من حيث يجب أن تبدأ: من الإنسان.
وفي لحظةٍ كهذه، يصبح الاعتراف هو أول خطوات البناء. الاعتراف بأن ما جرى لم يكن عابرًا، وأن آثاره لن تُعالج بالخطاب، بل بالفعل. ومن هنا تبدأ المسؤولية، وهنا فقط يمكن أن تستعيد المؤسسة معناها، ويستعيد المواطن ثقته، ويبدأ الأمل—ولو بخطوة صغيرة—في طريقٍ طويل نحو التعافي.



