كنهُ الحياة… نص بقلم : د. عبدالرحيم جاموس

الحياةُ ليست سوى عاصفةٍ خفيّة،
تدورُ في داخلي
بين روحٍ تُبصر…
وقلبٍ يشعر…
يلتقيانِ
كأنهما خُلِقا لموجةٍ واحدة،
غير أنّ الموجةَ
لا تعرفُ السكون…
الروحُ تمضي بي نحو المعنى،
تشدّني إلى ما لا يُرى،
إلى صفاءٍ يشبهُ الخلاص…
والقلبُ
يُغرقني في نبضه،
في خوفه،
في شغفهِ الذي لا يرتوي…
يتنازعانني
لا صخبًا،
بل رجفةً خفيّة
تسكنُ كلَّ قرار…
فإذا ظننتُ أنّي اهتديت،
عاد السؤالُ أكثرَ عمقًا:
من أنا
بينهما..؟
أأنا ذلك الحنينُ الصاعدُ إلى السماء،
أم هذا الثقلُ
الذي يشدّني إلى الأرض..؟
وفي ذروةِ العاصفة…
لا غالبَ
ولا مهزوم،
فكلاهما أنا،
وكلاهما
يكتبُ حكايتي…
وأمضي
لا لأفوز،
بل لأفهم…
أنّ النجاة
ليست في انحياز،
بل في اتّساعي لهما معًا،
حتى أصيرَ
سلامي بينهما…
وفي آخر الطريق…
أدركُ أنّ كُنهَ الحياة
ليس في أن تُحسمَ المعارك،
ولا أن تهدأَ العواصف،
بل في أن نتعلّم
كيف نُصغي لاضطرابنا،
وكيف نُهذّب فوضانا،
حتى إذا ما اشتدّت الريحُ يومًا،
لم نعد نخافها…
بل صرنا
نُحسنُ الإبحارَ فيها،
ونكتشف
متأخّرين قليلًا
أنّنا لم نكن نبحثُ عن شاطئ،
بل عن أنفسِنا…
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
6/4/2024 م

(كنه الحياة)
💫يقدّم هذا النص تأمّلًا عميقًا في جوهر الوجود الإنساني، حيث تتجلّى الحياة بوصفها صراعًا داخليًا هادئًا، لا بين قوى متناقضة فحسب، بل بين بُعدين متكاملين: الروح والقلب. منذ المطلع، يختار الكاتب صورة “العاصفة الخفيّة” ليكثّف بها التجربة الإنسانية، فهي عاصفة لا تُرى ولكن أثرها عميق، تُحرّك الداخل وتعيد تشكيله دون ضجيج.
هذه الاستعارة تؤسس لفضاء تأملي يهيمن على النص بأكمله.
الروح في هذا النص ليست مجرد مفهوم مجرّد، بل هي طاقة صاعدة نحو المعنى، نحو النقاء والتجاوز، نحو ما يشبه الخلاص.
إنها تمثل البعد العلوي في الإنسان، ذلك الحنين الدائم إلى ما وراء الواقع، إلى المطلق.
في المقابل، يأتي القلب بوصفه مركز التجربة الحسية والانفعالية، مثقلًا بالخوف والشغف والرغبة، لا يعرف الاكتفاء. هذا التقابل بين الروح والقلب لا يُطرح كصراع تقليدي بين الخير والشر، بل كجدلية وجودية دقيقة، حيث كل طرف يحمل حقيقته وضرورته.

الجميل في النص أن هذا “التنازع” لا يُصوَّر على أنه صخب أو صدام عنيف، بل رجفة خفيّة، تسكن القرار الإنساني وتلوّنه. هذه الدقة التعبيرية تكشف عن وعي عميق بطبيعة الصراعات الداخلية، فهي غالبًا ما تكون صامتة لكنها حاسمة. ومن هنا يتصاعد السؤال المركزي: “من أنا بينهما؟” وهو سؤال فلسفي بامتياز، يعكس أزمة الهوية التي يعيشها الإنسان بين سمو الروح وثقل الجسد.

في ذروة النص، يصل الكاتب إلى نقطة توازن مدهشة: لا غالب ولا مغلوب. إنها لحظة وعي تتجاوز الثنائية، حيث يدرك الإنسان أن الصراع ليس معركة يجب أن تُحسم، بل حالة يجب أن تُفهم. هذه الفكرة تُعدّ من أرقى ما في النص، إذ تنقل القارئ من منطق الانتصار إلى منطق الإدراك، ومن البحث عن الحسم إلى البحث عن الاتساع.

اللغة في النص شفافة ومحمّلة بإيقاع داخلي هادئ، يعتمد على التكرار المتوازن والتوازي التركيبي، مما يمنح النص طابعًا أقرب إلى التأمل الصوفي.
كما أن الصور الشعرية، رغم بساطتها الظاهرية، تحمل عمقًا دلاليًا كبيرًا، خاصة في الانتقال من العاصفة إلى الإبحار، ومن الخوف إلى الألفة مع الريح.

أما الخاتمة، فهي ذروة النضج الفكري في النص، حيث تتحوّل “النجاة” من كونها هروبًا إلى كونها فهمًا، ومن البحث عن شاطئ إلى اكتشاف الذات.
هذه النهاية تمنح النص بُعدًا إنسانيًا شاملًا، وتترك أثرًا عميقًا في نفس القارئ، كأنها دعوة هادئة للمصالحة مع الذات بكل تناقضاتها.

إنه نصّ يكتب الإنسان من الداخل، ويمنحه مرآة يرى فيها ذاته لا كما يتمنى، بل كما هي: مركّبة، متوترة، لكنها قادرة على السلام.

✍🏽قراءة أدبية بقلم ؛
د. عادل جوده.. العراق..

تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com