الأمان النفسي والاجتماعي للعمال -الدرع المنسي-وأولوية البقاء في زمن الحرب.. بقلم: د. سلامة أبو زعيتر

لطالما اعتُبرت السلامة المهنية ركيزة أساسية في عالم العمل، تهدف في جوهرها إلى حماية الرأسمال الأغلى في العملية الإنتاجية، وهو الإنسان العامل، وقد دأبت الحركات النقابية والباحثون –على حد سواء– على التركيز على الجوانب المادية للوقاية، عبر التأكيد على ضرورة توفير أدوات الحماية الشخصية والالتزام بمعايير السلامة للحد من إصابات العمل، إلا أن الواقع المتغير والظروف القاسية التي يكابدها العمال اليوم، تحتم علينا الانتقال من المفهوم الضيق لـ السلامة الجسدية إلى مفهوم الأمان الشامل، الذي يضع السلامة النفسية والاجتماعية كأولوية قصوى تسمو فوق كافة المعايير التقليدية حيث أن المخاطر النفسية تشكل التهديد الصامت في بيئة العدوان…

في سياق الحروب والأزمات والكوارث، لا تُعرّف الصحة النفسية للعامل بمجرد غياب المرض أو الاضطراب، بل هي القدرة على تحقيق الصمود المهني والاستمرار في العطاء رغم الانهيار المحيط  وفي واقعنا الفلسطيني، لم تعد المخاطر تقتصر على الآلات أو المواد الكيميائية، بل برزت المخاطر السيكوسوسيولوجية (النفسية والاجتماعية) كأكبر تهديد وجودي؛ وهي تلك الضغوط الناجمة عن انعدام الأمن الوظيفي، والتهديدات الخارجية الناتجة عن سياق الاحتلال والعدوان المستمر.

لقد فقد مفهوم “بيئة العمل” دلالته التقليدية؛ فمنذ اندلاع حرب الإبادة والتهجير القسري، حُرم أكثر من نصف مليون عامل من حقهم الأصيل في كسب رزقهم، وتحول العامل من “قوة منتجة” في مؤسسته إلى عاطل عن العمل و”نازح” يبحث عن خيمة ومأوى يلوذ به عن المخاطر، وهذا الواقع المأساوي أفرز مخاطر كارثية على العمال، أبرزها:

–       انهيار الأمان الوجودي حيث إن فقدان مكان العمل لا يمثل خسارة مادية فحسب، بل هو فقدان للهوية وللدور الاجتماعي المحوري للفرد.

–       خطر “الفجوة المهارية ” حيث إن الانقطاع القسري الطويل تحت وطأة الضغط النفسي يؤدي إلى “تآكل المهارات”، مما يستوجب تصميم برامج إعادة تأهيل مهني متخصصة تسير جنباً إلى جنب مع الدعم النفسي.

–       العمل تحت التهديد المباشر حيث ارتقى المئات من الشهداء من الكوادر الطبية والخدماتية والصحفيين وهم يرتدون ستراتهم المهنية، مما دفع بمستويات الاحتراق النفسي” إلى آفاق غير مسبوقة تفتقر لأدنى معايير الحماية القانونية أو الإنسانية.

إن التداعيات الاقتصادية للحرب لم تتوقف عند تدمير المنشآت والبنية التحتية، بل امتدت لتطال رأس المال البشري بالهدم والتدمير ومن هذا المنطلق، نوجه دعوة صريحة ومباشرة لكافة المؤسسات الوطنية والدولية، لاسيما المنظمات الأممية والجهات العاملة في مجالات الإغاثة والرعاية، بضرورة التوجه والعمل نحو استراتيجية ومقاربة وطنية ونقابية تقوم على التالي:

أولا/ العمل على مأسسة السلامة النفسية ويجب الكف عن التعامل مع الدعم النفسي والاجتماعي كنشاط “ترفيهي” أو “هامشي”، واعتباره جزءاً أصيلاً وإلزامياً ضمن بروتوكولات السلامة المهنية المعتمدة.

ثانيا/ العمل على دمج الصحة والرعاية النفسية مع السلامة المهنية للعمال كأولوية للحد من مخاطرها، ونطالب المؤسسات المختصة بتصميم برامج إسعاف نفسي مهني” تخصصي، تراعي طبيعة كل مهنة على حدة، وتستجيب للتحديات النوعية التي يواجهها العامل في بيئته المضطربة.

ثالثا/ تأسيس “صندوق دعم وطني للصحة النفسية للعمال ليكون مظلة قانونية ومالية توفر الرعاية والتعويض والدعم النفسي المستدام للمتضررين، بتمويل مشترك من الجهات المانحة والنقابات الدولية كاستحقاق إنساني وقانوني.

رابعا/ تعزيز الوعي بالحقوق النفسية والاجتماعية للعمال فإن رعاية الصحة النفسية للعامل هي “استثمار في صمود المجتمع” وليست منّة من أحد؛ لذا يجب تحصين العمال وتدريبهم على تقنيات التفريغ النفسي كجزء لا يتجزأ من إجراءات الوقاية الاستباقية.

أخيرا: إن كرامة العامل الفلسطيني تبدأ من حماية روحه وعقله كما نحمي جسده؛ فالسلامة النفسية اليوم هي صمام الأمان الوحيد لتحصين مجتمعنا الساعي للتعافي والنهوض من تحت الركام، وإن أي انتعاش اقتصادي أو زيادة في الإنتاجية لن تتحقق إلا بإنسان سوي، آمن، ومتحرر من الصدمات وضغوط الترهيب، ولتكن المرحلة القادمة عنواناً لإعادة التوازن للإنسان العامل، ولتصبح السلامة النفسية والاجتماعية هي المعيار الأول في كافة خطط الإعمار والتنمية المستدامة.

Dr. Salama .M.S. Abu Zuaiter
00970599855225
0097082456626
0097082882133
skype/ salamapgftu2005

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com