مقدمة.. فهيم أبو ركن

“غَيرُ مُفاجئ ولكن مُفْرح جدًّا هذا الخبر… فاحْتلالك لقِممٍ جَديدةٍ أَصْبحَ شيئًا عاديًّا غيرَ مُفاجِـئ”،

هذا ما كتبتُه وأرْسلتُهُ للشَّاعر والأديب وهيب نديم وهبه عندما سمعتُ خبرَ فوزِ قصَّته الورقيَّة للأطفال بالجائزةِ العالميَّة، جائزة “مؤسّسةِ ودارِ نعمان للثّقافةِ بالمجان – لبنان.”، تُضاف إلى جوائزَ سابقةٍ كثيرةٍ.

أما بالنِّسبة لهذه المجموعة الشعرية الّذي بين أيادينا، فقد خرجت عروسًا للعالم، بماء العطر ورائحة الورد والخيال، لتُخاطب القارئ بالإسبانية.

لقد تردَّدت كثيرًا قبلَ أن أكتبَ مقدّمةً لهذه الباقةِ الجميلةِ منَ القصائدِ المميَّزةِ، خِشيَةَ ألَّا أنجحَ في سبرِ أغْوارِها العميقةِ وتحسُّبًا من ألّا أعطيَ الشَّاعر حقَّهُ منَ التَّقريضِ والتَّحليلِ والمديح.

هذه المجموعة الشِّعريَّة للشَّاعر وهيب نديم وهبه عبارةٌ عنْ تجلِّيات روحانيَّة فلسفيَّة رومانسيَّة، تستمدُّ إيحاءاتها منَ المشاعر الصَّادقةِ والأحاسيسِ المرهفةِ الفيّاضةِ الَّتي تستحضرُ روحَ وعَبقَ التَّاريخِ والدِّياناتِ المختلفةِ في إيحاءاتها ودلالاتها بتوجُّه إنسانيٍّ شاملٍ يدعو إلى المحبَّة والتَّسامح والابتعاد عن العنف، نظنّها في البداية شعرًا غزليًّا عاطفيًّا جَريئًا، ولكن مع تَعمُّقِنا وتقدّمنا في القراءةِ نلمحُ دلالاتٍ صوفيَّةً وحبًّا إلهيًّا، مثلا يقول:

“كَانَتْ عَرُوسُ الْيَقِينِ قَدِ انْــعَطَفَتْ مِنْ جَهَالَةٍ إِلَى عَلْيَاءِ الْعَقل (الْإِيمَانِ) فَاعْتَنَقَتْ مَحَبَّةَ اللهِ..”

ولكنَّ حبَّه الصُّوفيَّ من نوعٍ آخر، نوعٍ متفرِّدٍ بأسلوبِهِ وتعابيرِهِ، نوعٍ فيه عناصرُ تَنبعُ من تجلِّياتٍ روحيَّةٍ خلَّاقةٍ تلامسُ الرُّوحَ، وتسمو إلى مقاماتٍ عاليةٍ منَ الإحساسِ الصَّافي والتَّفكير العميق لِتَصلَ إلى مراتبِ الفَلسفَةِ ومعارجِ الفيضِ والإلهامِ، لتجدَ نفسَكَ تتحرَّر من الماديَّةِ وتلامسَ عناصرَ الكون بترتيبٍ مدهش، بعيدًا عن الظَّواهرِ الماديّة المعروفةِ لدينا، والمنطقيَّة وِفْقَ تفكيرِنا، الشَّاعرُ يلجأ إلى اللَّه ليحوِّلَ السَّلبَ إلى إيجابٍ، والظُّلمةَ إلى نورٍ:

“أَعُدُّ أَصَابِعِـي… خُطُوَاتِي…

سُقُوطِي…

لِلْمَرَّةِ الْأَلْفِ تَأَخَذُنِي الْهَاوِيَةُ

وَالظَّلَامُ…

أَمُدُّ يَدِي لِلشُّرُوقِ هُنَاكَ…

هُنَاكَ نُورُ اللَّهِ يُــنِيرُ الْقَلْبَ…

يُــنِيرُ الدَّرْبَ…”

كما يَقولُ:

“وَأَنَا أَعْدُو وَرَاءَكَ يَا خَالِقِي إِلَى السَّمَاءِ…

أَدْخِلْنِي هٰذَا الْفَلَكَ الْمُضَاءَ…

الْقَنَادِيلَ الْمُعَلَّقَةَ…

صَفَاءَ الرِّيحِ، هُدُوءَ الْحَــرَكَةِ، بَهَاءَ جَمَالِ

الرَّوْعَةِ، فِي تَــنَـفُّسِ الْمَكَانِ…

أَدْخَلَنِي فِنَاءَ جَنَّتِكَ بِعِشْقِي السَّرْمَدِيِّ”.

هذا هو الإبداعُ المنبثقُ عن موهبةٍ حقيقيَّةٍ أثبتَتْ وجودَها وتطوُّرَها وتجدُّدها منْ كتابٍ إلى آخرَ.

في القصائدِ يوظِّفُ الشَّاعرُ دلالاتٍ جُغرافيَّةٍ وأسماءٍ لشخْصيَّات دينيَّةٍ منْ مختلفِ الأديان، يجمعُها في بوتقةٍ إنسانيَّة شاملةٍ ليُعَمِّقَ المعنى وليكـثِّفَ الصُّورة ويعطيها أبعادًا ساميَةً.. كذلك نجدُ في القصائد أسماءَ مناطقَ عَديدةٍ منَ البلاد مثل النَّاصرة، القدس وعكّا، شواطئ حيفا وبيَّارات يافا – خاصَّة القدس والكرمل – ليُعبِّـرَ عن حبِّهِ لبلادِه، وانْدِماجهِ بها أو انْدماجها به. كما أنَّه يوظّف أسماء شخصيَّات تاريخيَّة فَلسفيَّة مشهورة لإضافةِ عمقٍ روحيٍّ فكريٍّ، فنقابلُ إدريسَ وهرمسَ، النَّبيَّ محمدًا، سيزيفَ، فاطمة، مُحْيِــي الدِّينِ بْنُ عَرَبِيّ والمعزّ، ويدمجُ المعالم الإسلاميَّة مع المعالمِ المسيحيَّةِ ليقرر أن الجميع سواسية:

“وَكَانَ الْبَابُ الشَّاهِدَ الْوَحِيدَ

أَنَّــهَا إِنْسَانٌ وَأَنَّـهُ إِنْسَانْ”

وليصرُخَ بصمتِ يعبر عن الأُخوَّة بين الأديان، وليوحي برسالة التسامح والسَّلام:

“الْـقُدْسُ فِي خَيَالِ الْغَيْمِ لَوْحَةُ مَاءٍ

مَرْسُومَةٌ بِرِيشَةِ مُبْدِع الْكَائِنَاتِ

تَشْهَدُ الْأَقْصَى فِي لَـيْـلَةِ الْإِسْرَاءِ يَــرْنُو

إلى قِــيَامَةِ كَنِيسَةٍ..”

كما يقول:

“تُــبْصِرُ الْأَقْصَى وَقُــبَّةً وَصَخْرَةً تُسَـبِّحُ

الرَّحمَنَ

وَكَنِيسَةً تَشْهَدُ الْقِيَامَةَ…”

من جِهةٍ أخرى، يبدو أنَّ ما يعانيه الشَّاعرُ في حاسَّةِ البصرِ قوَّى وعزَّزَ بصيرتَهُ ممَّا أثَّر على انتاجه إيجابيًّا، فكرًا عَميقًا، وانْزياحاتٍ مبْتَكرة، وقد لاحظْتُ أنَّه يكثرُ من ذكرِ العينينِ، الألوان، البصرِ والبصيرةِ فيقول:

“كَيْ تُــؤْنِسَ عَتْمَتِي”، فهنا يُؤَنْسنُ العتمةَ وكأنَّها كائنٌ حي يحتاج إلى الأُنسِ والألفة.

أو:

“وَلَا تَـأْخُذْ شَاشَةَ الضَّوْءِ مِنْ أَمَامِي”.

“ريشة الْخَالِقِ رَسَـمَتِ الطَّبِيعَةَ بِالأَلْوَانْ”. هنا يجعلُ الطبيعةَ لوحةً رَسمها اللَّهُ بريشتِهِ.

الشاعر وهيب يكتبُ بأسلوبٍ خاصٍّ به، مُستعمِلًا كِناياتٍ وَاسْتعاراتٍ منوَّعة يكثر من ذِكرِ اللَّه وتوظيفِ دلالاتٍ روحانيَّةٍ مختلفة؛ اللَّه، الخالق، السَّماء، الملائكة، التسبيح، الابتهالات، العبادة، المحراب، الإنسان، المحبة، وغيرها مِمَّا يُعطي شعرَهُ نكهةً خاصَّةً، تتراوح بين العشق والعبادة، كما أنَّه يرتقي بأفكارِهِ ليحاورَ أساطينَ التَّاريخ والفلسفةِ بحوارٍ غير مباشرٍ حيثُ يدمجُهُم في عباراتِهِ الشِّعريَّةِ مُستعينًا بإيقاعاتٍ داخليَّةٍ يُسْكبها ويُخَصِّبُها بجناسٍ لطيفٍ وتكرارِ بعضِ الكلماتِ أوِ الحروفِ.

” لَا… لَا… لَا… أَرَاهُ”

وأيضًا:

فَكَــيْفَ لَا…

كَـيْفَ لَا… لَا… لَا يَــنْـهَمِرُ مَاءُ رُوحِكِ

وأيضًا:

“كَمْ أَنْتَ مَجْنُونٌ بِالْأَصَابِــعِ

بِالْأَصَابِــعِ نَكْتُبُ،

بِالْأَصَابِــعِ تَحْضُنُ وَجْهِي،

بِالْأَصَابِــعِ تُـغَنِّي رَاقِصَةٌ إِسْبانيّةٌ…

بِالْأَصَابِعِ يَحْكِي الْمَحْرُومُ مِنَ”.

وأيضًا:

“وَتَطِيرِينَ…

تَغِيبِينَ…

تَغِيبِينَ… تَغِيبِينَ

تَغِيبِينَ…”.

قارئُ هذه القصائدِ يجبُ أنْ يتمعَّن في معانيها ومضمونِها جيِّدًا وربَّما يحتاجُ إلى قراءةٍ ثانيةٍ وثالثةٍ كي يقفَ على مغزى القَصيدةِ ويدركَ ما قصدَ الشَّاعرُ فيها.

لغةٌ شعريَّةٌ راقيةٌ تطالِعُها في كلِّ جملةٍ وَصورةٍ مُدهشةٍ تحلِّقُ بالخيالِ ليسبحَ في فضاءاتٍ ساحرة.

إجمالًا، كتابٌ رائع على مستوًى عالٍ بالمضمونِ والأسلوب والإخراج، التَّصميم والطِّباعة.

لا أريدُ أن أطيل على القارئ، إنما أرت إضاءة بعض الزوايا فحسب إذ يحتاج هذا الكتاب إلى دراسة خاصة ومسهبة لاكتشاف كنوزه الشِّعرية، الإبداعية، الفكرية البلاغية والبيانية.

سعدتُ في رحلتي القصيرة مع هذه التُّحفة الشِّعريَّةِ الرَّائعة للشَّاعر الصَّديق وهيب نديم وهبه، وليسَ صُدفَةً تُترجمُ أعمالُهُ إلى لغاتِ العَالم، وتفوز بالجوائز القيِّمة المختلفة.

ألف مبارك وإلى المزيد من الإنتاج الأدبيِّ الرَّاقي.

إشارة:

  • هذه المقدمة لديوان “خيال الورد” صدر بالعربية – آخر يوم في سنة 2025-وصدر بالإسبانية – 2024 – المترجمة العالمية- تغريد بو مرعي. وترجمات أخرى.

2-  فهيم أبو ركن من سكّان بلدة عسفيا، حاصل على الشّهادة الجامعيّة (B.A) من جامعة حيفا.

*  تعلّم اللغة العربية، الصّحافة والاتّصالات.

*  عضو الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب الفلسطينيين الكرمل 48.

*  فاز بالجائزة الأولى للمجلس الشّعبيّ للآداب والفنون مع بيت الكرمة لكتابة المسرحيّة سنة، 1987م، عن مسرحيّة (إبراهيم بن أدهم).

*  حاز على جائزة التّفرغ من وزارة الثّقافة سنة 2010 م.

*  حاز على جائزة الكليّة الأكاديميّة العربيّة في حيفا سنة 2015 م.

*  حاز على وسام “بول هاريس” من نادي روتاري.

*  مؤسسة بورسيبا الدولية منحته شهادة دكتوراة فخرية سنة 2021.

*  مُنح عام (2022) وسام الاستحقاق والرّيادة من مؤسّسة المراكز الجماهيريّة العربيّة “مستوى”.

صاحب الامتياز والمحرر المسؤول في جريدة الحديث الورقية الأسبوعية.

*  أصدر 12 كتابًا، منها؛ قصص، خواطر، رواية، مسرحيّة، ودراسة تحليليّة، ودواوين شعريّة شملت؛ شعرًا عموديًّا، حرًّا وشعر التّفعيلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com