مرضى قطاع غزه

تتحول معاناة المرضى إلى ساحة تجاذب: من يدير الملف ومن يتحمل المسؤولية؟
الجميع يعرف أين تكمن المشكلة، والجميع – بلا استثناء – يدرك تفاصيلها وتشعباتها، ومع ذلك تتقاذف الاتهامات بين أطراف متعددة، وكأن الهدف لم يعد إنهاء الأزمة، بل إدارة تبعاتها إعلاميًا وتبادل المسؤوليات. في ظل هذا المشهد، يبقى المريض وحده هو الخاسر الأكبر، عالقًا بين قرارات متضاربة، وإجراءات غير مستقرة، ومؤسسات فقدت وضوح أدوارها.
ليس من الحكمة الاستغراق في جلد الذات أو توسيع دائرة الاتهام، فالمسؤولية هنا جماعية، لكن الحل لا يكون جماعيًا بالمعنى الفضفاض، بل مؤسسيًا منظمًا، يعيد لكل جهة دورها الطبيعي وحدودها الوظيفية. إن أول خطوة نحو المعالجة الحقيقية تبدأ من مبدأ بسيط: أن يقف كل طرف عند حدوده، وأن تُدار المنظومة الصحية وفق تسلسلها الإداري الصحيح، لا وفق اجتهادات طارئة أو بدائل مؤقتة تحولت إلى واقع دائم.
لقد كان ملف تحويل المرضى يُدار – قبل أكتوبر 2023 – ضمن منظومة واضحة المعالم، تبدأ من المريض، ثم الطبيب المعالج، فإدارة المستشفى، مرورًا بدائرة العلاج بالخارج، وصولًا إلى دائرة تنسيق وارتباط المرضى. هذا التسلسل لم يكن شكليًا، بل كان يعكس تراكمًا إداريًا وخبرة مؤسسية ضمنت سلاسة الإجراءات، ووضوح المسؤوليات، وتقليل مساحة الفوضى.
أما اليوم، فقد اختلطت الأدوار، وتداخلت الصلاحيات، وبرزت أجسام موازية، بعضها جاء تحت ضغط الحاجة، وبعضها الآخر فرض نفسه كبديل دائم، ما أدى إلى إضعاف الدور الحكومي المؤسسي. وهنا تبرز الإشكالية الكبرى: حين تتحول الحلول المؤقتة إلى بدائل دائمة، فإنها لا تعالج الأزمة، بل تعمقها.
إن إدارة هذا الملف يجب أن تعود بشكل واضح وصريح إلى الإدارة العامة للمستشفيات في قطاع غزة، فهي الجهة القادرة على إطلاق الشرارة الأولى لإعادة ضبط المسار، بالتنسيق الكامل مع دائرة العلاج بالخارج، ودائرة تنسيق وارتباط المرضى. هذه الجهات ليست مجرد مسميات إدارية، بل هي أركان منظومة متكاملة، تم تهميشها أو تجاوزها، ما أدى إلى هذا الارتباك الحالي.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، التي حضرت في لحظة فراغ مؤسسي واضح. غير أن استمرار هذا الدور بالشكل الحالي يطرح تساؤلات جدية حول حدود تدخلها، خاصة إذا ما تحول من دعم إنساني إلى بديل عن الدور الحكومي. فالمشكلة لا تكمن في وجود هذه الجهات، بل في تحولها إلى لاعب رئيسي في ملف يفترض أن يكون سياديًا ومؤسسيًا بامتياز.
أما اللجان الطبية التي نشأت في بعض المستشفيات، مثل تلك التي تعقد اجتماعاتها في مستشفى ناصر، فهي – رغم التقدير لجهودها – لا يمكن أن تكون بديلًا عن دائرة العلاج بالخارج، لأن طبيعة عملها تختلف، وإمكانياتها محدودة، ولا تملك الإطار الإداري الشامل الذي يؤهلها لإدارة هذا الملف المعقد.
وفي المقابل، فإن تبادل الاتهامات – بما في ذلك تحميل المسؤولية لجهات خارج نطاق هذا الملف – لا يعدو كونه محاولة للهروب من الواقع. فربط الأزمة بأطراف لا تملك صلاحية مباشرة في إدارة هذا الملف يشتت الجهود، ويؤخر الوصول إلى حلول حقيقية، ويزيد من معاناة المرضى الذين لا تعنيهم هذه السجالات بقدر ما يعنيهم الوصول إلى العلاج في الوقت المناسب.
إن ما نحتاجه اليوم ليس تصعيد الخطاب، بل إعادة تعريف المشكلة من زاوية إدارية بحتة، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والمصالح المتشابكة. فالأزمة ليست في نقص التشخيص، بل في غياب القرار الحاسم بإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.
الحل يبدأ من هنا:
إعادة الاعتبار للدور المؤسسي الحكومي في إدارة الملف.
إنهاء حالة التداخل بين الجهات، وتحديد المسؤوليات بدقة.
الاستغناء التدريجي عن البدائل التي أضعفت البنية الإدارية.
تفعيل التنسيق الحقيقي بين المستشفيات، ودائرة العلاج بالخارج، ودائرة الارتباط.
اعتماد تسلسل إداري واضح لا يقبل الاجتهاد أو القفز عليه.
إن إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل أكتوبر 2023 ليست عودة إلى الماضي بقدر ما هي استعادة لنموذج إداري أثبت فعاليته. فالتراكم المؤسسي لا يُبنى في لحظة، لكنه قد يُهدم بسهولة حين تغيب الرؤية وتُستبدل بالحلول المؤقتة.
في النهاية، لا يمكن لأي خطاب، مهما كان قويًا، أن يعوض غياب الفعل. ولا يمكن لأي جهة، مهما كانت نواياها حسنة، أن تنجح خارج إطارها الطبيعي. لذلك، فإن الحديث عن الحل يجب أن يتقدم على الاتهام، وإعادة بناء المنظومة يجب أن تسبق البحث عن شماعات جديدة للفشل.
لأن القضية ببساطة… ليست من المخطئ، بل كيف نعيد للمريض حقه في نظام صحي منظم، عادل، وواضح المعالم.
نضال احمد جابر جودة



