منهجية الأضداد: حين يصبح التناقض سياسة ويُترك إنسان غزة وحيدًا

لم تعد غزة مجرد مساحة تتجسد فيها الأضداد، بل تحولت إلى ساحة تُدار فيها الأضداد كسياسة. هنا، لا يُترك التوتر ليُنتج معنى، بل يُستثمر ليُنتج استنزافًا دائمًا:
حياةٌ تُستدعى لتستمر، وموتٌ يُستدعى ليُبرَّر، وصمودٌ يُرفع كشعار بينما يُترك الإنسان وحده تحت الركام.
منذ قصة آدم وحواء، كان التقابل بين الأضداد جزءًا من بناء الإنسان: اختيار وخطأ، هبوط ووعي، ثم سعيٌ نحو معنى.
لكن ما يحدث في غزة اليوم ليس هذا التوازن، بل تشويه له:
الأضداد لم تعد تتكامل، بل تُدار بحيث يبقى طرفٌ عالقًا في أقسى صورها.
هنا، تتجلى الصورة بلا تجميل:
طفلٌ يتعلم العدّ… على عدد الغارات،
أمٌّ تحفظ أسماء أبنائها… لتستدعيهم في قوائم الفقد،
وشعبٌ يُطالَب أن يكون حيًّا بما يكفي ليُثبت صموده، وميتًا بما يكفي ليبقى خبرًا صالحًا للتداول.
هذه ليست مفارقة إنسانية، بل هندسة قاسية للواقع؛
حيث يُفرض على غزة أن تعيش ثلاثية خانقة:
إيجابٌ فطري للحياة، قبولٌ قسري بالواقع، ورفضٌ مُحاصَر يُسمح له أن يظهر… بقدر ما لا يغيّر شيئًا.
الأشد قسوة أن هذا المشهد لم يعد صادمًا كما ينبغي.
لقد جرى تطبيع الكارثة:
تحوّل الألم إلى لغة يومية،
والدمار إلى خلفية معتادة،
والصمود إلى واجب أخلاقي يُطلب من الضحية… بينما يُعفى الفاعل من المساءلة.
وهنا لا يمكن الاكتفاء بإدانة الخارج.
المجتمع نفسه ليس خارج المعادلة.
ففي قلب هذا المشهد، هناك مساهمة صامتة—وأحيانًا صريحة—في تكريس هذه الحالة:
حين يُستثمر الخطاب العاطفي بدل مساءلة الواقع،
حين تُقدَّس الشعارات على حساب الإنسان،
حين يُختزل الصمود في قدرة على التحمّل لا في قدرة على التغيير،
وحين يصبح الصمت عن الخلل الداخلي شكلًا من أشكال التواطؤ غير المعلن.
ليس المجتمع ضحية فقط، بل شريك—ولو على مستوى الصمت—في استدامة الضبابية.
حين يقبل بأنصاف الحلول كقدر،
وحين يُخشى من طرح الأسئلة أكثر من الخوف من استمرار المأساة،
فإنه يساهم—دون قصد—في إعادة إنتاج أزمته.
أما الحديث عن “قدر الله”، فلا يجوز أن يتحول إلى مظلّة تُعطّل الوعي.
الإيمان بالقدر قوة، نعم—لكنه ليس بديلًا عن الفعل،
ولا ذريعة لتجميد النقد،
ولا وسيلة لتبرير ما يمكن تغييره.
الرضا ليس أن تتعايش مع القيد كأنه طبيعة،
بل أن تدركه، وتسعى لكسره ضمن ما تملك من قدرة.
وإلا تحوّل من قيمة إيمانية إلى أداة تخدير جماعي.
غزة اليوم ليست فقط ضحية صراع، بل ضحية منهجية كاملة تُعيد إنتاج التناقضات وتُحمّلها لطرف واحد.
عالمٌ يُتقن إدارة الأضداد… بشرط أن لا يدفع ثمنها إلا من لا يملك خيارًا.
وهنا السؤال الذي لا يجوز تأجيله:
إلى متى سيبقى الإنسان في غزة يُطالَب بأن يوازن بين الحياة والموت،
بين القبول والرفض،
بين الصبر والصمت…
دون أن يُمنح حق كسر هذه المعادلة أصلًا؟
ليست المأساة في وجود الأضداد،
بل في عالمٍ جعلها قدرًا دائمًا على طرفٍ واحد…
ثم طلب منه أن يشكر الله على قدره،
دون أن يُسائل من صنع هذا القدر على الأرض.
نضال احمد جابر جودة



