الوحدة الوطنية والتعددية السياسية هي ضمان الاستقرار

بقلم إبراهيم عبدالله صرصور – الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني – 1948

(1)

في الوقت الذي يحيط الرئيس الأمريكي ترامب نفسه بكتائب من قساوسة ورهبان متعصبين يحقنونه بأمصال هي خليط من كل الأحقاد المتراكمة عبر التاريخ، يوسوسون له بكل ما يذهب اليه من سياسات داخل أمريكا وخارجها دعما لإسرائيل ولسياستها المتطرفة، وعداء للعالم العربي والإسلامي، وللإسلام ودعاته وللحركات المبشرة به على وجه الخصوص………. وفي الوقت الذي سمحت فيه الحكومة الامريكية لأكثر الحركات الدينية تطرفا على الساحة الامريكية بالنشاط دون قيد او شرط بما في ذلك داخل الكونغرس بغرفتيه، على اعتبارها جزءا لا يتجزأ من النسيج الأمريكي الشرعي……….

وفي الوقت الذي يحيط فيه نتنياهو نفسه بكل الأحزاب الدينية الأصولية والقومية التي جعلها جزءا من حكومته، وبوأ زعماءها المناصب العليا وسلمهم الوزارات السيادية الأكثر خطورة على الاطلاق، وتبنى كل المضامين التوراتية والتلمودية، لخدمة إسرائيل الكبرى، وحشد كل القوى المسيحية الصهيونية التي بدأت تتحدث علنا وصراحة وبلا تردد عن حق إسرائيل في توسيع حدودها من النيل الى الفرات (انظر اللقاء المطول للصحفي الأمريكي تاكر كارلسون مع السفير الأمريكي في  تل ابيب مايك هاكابي وهو واحد من اساطين المسيحية الصهيونية لتقف على عمق تأثير هذا التيار الفاشي على السياسات الامريكية خدمة للصهيونية العالمية وإسرائيل) ؟!….

وفي الوقت الذي أباحت دساتير الغالبية الساحقة من الدول الأوروبية للأحزاب ذات المرجعية المسيحية والتي تحمل الأسماء والشعارات المسيحية في مزاولة العمل السياسي دونما تدخل من الدولة ودخول البرلمانات والوصول الى الحكم عبر صناديق الاقتراع……… هذه بعض الامثلة:

ألمانيا: الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU): الحزب المحافظ الأكبر في البلاد. الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU): الحزب الشقيق لـ CDU في ولاية بافاريا. حزب “التحالف ج – مسيحيون من أجل ألمانيا” (Bündnis C): حزب مسيحي محافظ….. هولندا: النداء الديمقراطي المسيحي (CDA): حزب وسطي تقليدي. الاتحاد المسيحي (Christen Unie): ، حزب يركز على القيم الاجتماعية المسيحية…. بلجيكا: الحزب المسيحي الديمقراطي والفلمنكي (CD&V): ينشط في إقليم فلاندرز. الحزب المسيحي الاجتماعي (CSP): يمثل الأقلية الناطقة بالألمانية…. لوكسمبورغ: حزب الشعب المسيحي الاجتماعي (CSV): القوة السياسية الرئيسية في البلاد. فرنسا: الحزب الديمقراطي المسيحي (VIA): يُعرف حالياً باسم “VIA، طريق الشعب“.…. سويسرا: الحزب الإنجيلي الشعبي (EVP): حزب مسيحي وسطي… النرويج: الحزب الديمقراطي المسيحي (KrF). السويد: الديمقراطيون المسيحيون (KD).…. الدنمارك: الديمقراطيون المسيحيون ….(KristenDemokraterne). فنلندا: الديمقراطيون المسيحيون ….(KD).  النمسا: حزب الشعب النمساوي (ÖVP)، تاريخياً هو الحزب المسيحي الاجتماعي)….. سلوفاكيا: الحركة الديمقراطية المسيحية (KDH) ، الاتحاد المسيحي ….(Kresťanská únia). رومانيا: حزب الفلاحين الوطني الديمقراطي المسيحي ….(PNȚ-CD). ليتوانيا: الاتحاد الوطني – الديمقراطيون المسيحيون الليتوانيون ….(TS-LKD). أوكرانيا: الاتحاد الديمقراطي المسيحي….. ألبانيا: الحزب الديمقراطي المسيحي الألباني…..  اليونان: الحزب الديمقراطي المسيحي اليوناني.. مالطا: حزب “ABBA”: حزب مسيحي محافظ.…. إيطاليا: بالرغم من تفكك الحزب التاريخي الكبير، توجد أحزاب صغيرة مثل “الديمقراطية المسيحية. (DC) التي تحاول إحياء الإرث القديم….. 

اما على مستوى القارة الأوروبية: الحزب السياسي المسيحي الأوروبي (ECPP) ، كان يُعرف سابقاً بـ( ECPM) ، وهو اتحاد يجمع العديد من هذه الأحزاب تحت مظلة واحدة في البرلمان الأوروبي لتعزيز القيم المسيحي…… .

(2)

في الوقت الذي يحدث كل ذلك، تصر الغالبية الساحقة من الانظمة العربية على محاربة الجماعات والحركات الإسلامية وإخراجها عن القانون وملاحقتها ومطاردتها والتنكيل بها والانقلاب عليها ان وصلت الى السلطة في حالات نادرة (انظر الانقلاب السيساوي على الرئيس الشهيد محمد مرسي قبل اغتياله داخل السجن، والانقلاب على حزب الحرية والعدالة (اخوان مسلمون) الذي فاز بالأغلبية البرلمانية، ثم اخراج جماعة الاخوان عن القانون وتصنيفها إرهابية مع ما تبع ذلك من إجراءات وسجون وقتل ومصادرة وانتهاك لأبسط الحقوق..)……. إضافة الى اقصاء الأحزاب الإسلامية او الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، او الأحزاب التي تحمل عناوينها كلمة “الإسلام” من ان تخوض الانتخابات (انظر الانقلاب على حركة النهضة التونسية التي فازت بالأغلبية البرلمانية بعد صورة الياسمين والزج بقادتها في السجون.. الخ)……… أما إن سمحت دولة هنا او هنالك لهذه الأحزاب بالمشاركة السياسية اشترطت عليها اسقاط اية إشارة الى الإسلام في عنوانها او اسمها (انظر طلب الهيئة المستقلة للانتخابات في الأردن الى قيادة “حزب جبهة العمل الإسلامي” إسقاط اسم “إسلامي” من اسم الحزب كشرط للسماح للحزب بخوض الانتخابات لمجلس النواب الأردني، وذلك بعد قرار سابق بحظر جماعة “الاخوان المسلمون” في المملكة بعد علاقات إيجابية مميزة مع النظام منذ تأسيس الحركة عام 1945م وحتى تنفيذ قرار حظرها عام 2025…..       

(3)

افتخرنا دائما بالأردن والمغرب والكويت لما منحوه للتيارات الإسلامية من هامش واسع للمشاركة السياسية بعكس الغالبية العظمى من الدول العربية الملكية والجمهورية و”الجملكية/الجمهورية – الملكية”………. اعتبرنا هذه الدول نماذج مشرقة للتعايش السلمي بين التيار الإسلامي والدولة، مما رسخ الحياة الديموقراطية والتعددية السياسية التي صبت دائما في مصلحة الوطن……..

في المقابل اثبت التيار الإسلامي في هذه الدول المسؤولية الوطنية العليا، والحرص – بلا حدود – على مصالح الوطن العليا بشهادة الحكومات المتعاقبة، واحترام قواعد اللعبة الديموقراطية والالتزام باستحقاقاتها نصرا وهزيمة، فوزا وخسارة….

كان قرار الحكومة الأردنية إخراج “جماعة الاخوان المسلمون” عن القانون بعد عيش مشترك استمر لأكثر من سبعين عاما مفاجئا لمثلي ممن آمنوا حتى اعماق أعماق أرواحهم وقلوبهم بأن التجربة الأردنية الرائدة والفريدة ستكون النموذج الذي تحتذي به باقي الدول العربية والإسلامية، فيكون للأردن ملكا وحكومة وشعبا شرف اطلاق قطار المصالحة بين الحكومات والقوى الحية في شعوبها تمهيدا لانطلاقة الامة نحو مستقبلٍ تستعيد تحت سمائه هيبتها ومكانتها، ونهضةٍ تعيد للامة مكانها بين شعوب العالم المتحضرة بعد عقود متطاولة من الانحطاط الحضاري والمدني، والانهزام السياسي والعسكري، والارتهان الخارجي….

الذي فاجأني أكثر هو بركان الكراهية والحقد ضد “الجماعة” التي تفجر فجأة وبلا مقدمات وبشكل يخالف ما كانت عليه الأردن على مدى عقود طويلة من تقديس التعايش السلمي بين مكوناتها السياسية والأيديولوجية، والحرص على التعاون الإيجابي خدمة للوطن بعيدا عن خطاب الكراهية والاستقطاب والشللية والحزبية المقيتة…..

تابعت شخصيا النقاش الذي دار في مجلس النواب الاردني في حينه حول القرار بشأن حظر أنشطة “جماعة الاخوان المسلمون” وإخراجها عن القانون…….. لم أصدق ما رأته عيناني وسمعته اذناي………. عدد كبير، يكاد يمثل الأغلبية في مجلس النواب فتحوا نار احقادهم على الجماعة بصورة صادمة لا تكاد تُصدق… سألت نفسي يومها: أهؤلاء يمثلون الأردن ملكا وحكومة وشعبا الذي نعرف أصالته وعراقته وتقديسه للوحدة الوطنية، واحترامه للتعددية الأيديولوجية والسياسية، وإيمانه بفريضة العمل المشترك، وتضحياته اللامحدودة في خدمة قضايا الامة عموما والقضية الفلسطينية خصوصا؟!……       

أتمنى ان تظل الأردن والمغرب والكويت النموذج للتعايش الذي نتمناه على امتداد الوطن العربي والإسلامي، وان تمتد تجربتهما لتعما الوطن العربي، لأننا نعتقد ان ذلك سيكون حتما الخطوة الصحيحة لتعزيز الحصانة والمناعة الوطنية التي هي صمام الأمان لكل نجاح….  

(4)

نفذت “جماعة الاخوان المسلمون” قرار الحكومة الاردنية وعملت بموجبه احتراما للقانون والنظام العام، ومنعا لأية تطورات لن تخدم الا مصلحة أعداء الأردن الذين يتربصون بها الدوائر…. تفهمت “الجماعة” الظروف الحساسة التي تمر بها الأردن في ظل التحولات العميقة التي تجري، والصراعات المتفجرة التي تحدث، فاتخذت القرار على امل ان تتغير الظروف الراهنة لتعود العلاقة بين الدولة و – “الجماعة” الى أحسن مما كانت عليه على مدى نحو سبعة عقود…  

 لم يسلم “حزب جبهة العمل الإسلامي” من شرر الهجمة الشرسة التي شنتها أوساط سياسية وإعلامية وحزبية على “جماعة الاخوان المسلمون”، وانطلقت في حملة شيطنة للحزب أيضا املا من هذه الأوساط ان ينحسب القرار بحل “الجماعة” ليشمل أيضا ذراعها السياسية…. 

الا ان قيادة “جبهة العمل الإسلامي” فوتت هذه الفرصة على هؤلاء المتربصين بها… وعليه، طوت صفحة الخلاف القانوني بقرار   ذكي بتغيير اسم الحزب، والذي هدف الى نزع فتيل الخلاف وإزالة ألغام التجاذب….  

ما اتمناه ويتمناه كل حريص على الأردن واستقراره أن ترد الحكومة على هذه الاستجابة الإيجابية لطلب الهيئة المستقلة للانتخابات بوقف حملة التحريض والتأزيم التي اوساط من الإعلاميين والسياسيين ضد الحركة الإسلامية، والتي بلغت مستويات باتت تهدد السلم الأهلي والوحدة الوطنية……. بعد تغيير الاسم باتت الفرصة سانحة تماما لمصالحة شاملة مع التيار السياسي الأعرض شعبياً، والأوسع انتشارا، والاقوى تنظيما، والأكثر قدرة على خدمة المصالح العليا للأردن الذي يقف امام تحديات وجودية خطيرة بسبب سياسات حكومة نتنياهو – بن غفير – سموتريتش الظلامية التي لم تعد تتردد في الحديث صراحة عن خططها تنفيذ الرؤية التوراتية لإسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات!…

(5)

الأسماء ليست مقدسة……. لذلك، التغيير و/او التعديل في اسماء الأحزاب ذات المرجعية الاسلامية ممكن اذا اقتضت الضرورة…….. لكن الأسئلة المؤلمة التي تفرض نفسها:

– لما المطالبة بتغيير الاسم؟

– ما الأسباب الموضوعية والقانونية الملحة الداعية الى ذلك؟

– هل كلمة “الإسلامي” هي ما تزعج اوساطا في الداخل والخارج؟

– هل هذا هو ما نحتاجه اليوم في الوقت يلعب الدين دورا مركزيا وملهما في أمريكا واوروبا واسرائيل؟!….

– هل وصل ترامب ونتنياهو وهم العلمانيون حتى النخاع الى ان الدين ومن يمثله من تيارات وهيئات هو جزء اصيل من النسيج الاجتماعي والسياسي يحق له ان يكون في صدارة المشهد جنبا الى جنب مع الاخرين، وان يكون له الحق في المساهمة في صياغة هياكل المجتمعات والشراكة في اتخذا القرارات وتحديد السياسيات، بينما نحن في الشرق ما زلنا – في عالمنا العربي – نرى في التيارات ذات المرجعيات الإسلامية على وجه الخصوص، وما تمثله من رؤى وما تحمله من مشاريع، خطرا لا بد من حصاره تمهيدا لاقتلاعه كما يحدث في اغلب الدول العربية والإسلامية؟!!!!!!…..

– هل المستهدف من كل هذ الإجراءات العابرة للقارات والدول هو التيارات الإسلامية فعلا، ام ان الامر ابعد وأخطر من ذلك بكثير، بينما يظل استهداف التيارات الإسلامية “ِشماعة” تخفي من ورائها الأهداف الخطيرة الحقيقية؟

– أيمكننا ان نقول بكل ثقة ان المستهدف هو الإسلام نفسه الذي غير وجه التاريخ، وجعل من اشتات العرب امة أصبحت ملأ سمع وبصر العالم بعد ان لم يكن لها ثقل في موازين الحضارة او السياسية، لا تحس منها من أحد ولا تسمع لها رِكزا……. اقامت اعدل دولة، وشيدت أعظم حضارة، وبنت أروع مدنية كانت السبب في نهضة العالم خصوصا أوروبا والغرب عموما؟!……  

– أي نوع من الإسلام يريدون تصنيعه في اروقتهم ثم تصديره الينا بمقاساتهم الخبيثة؟!..

– لمصلحة من يحدث كل هذا؟ ولماذا القبول والخضوع لهذه السياسة التي تستهدف هدم آخر قلاع صمودنا، وتدمير مصدر الامل الوحيد المتبقي لإنقاذ امتنا بعد ان أصبحت نسيا منسيا؟!!!    

(6)

لنكن صرحاء أكثر……….. استهداف التيارات الإسلامية هو تمهيد لتصنيع اسلام جديد يمكن تسميته ب – “الإسلام الأمريكي – الصليبي – الصهيوني…. إسلام مشوه يروج له الغرب وحلفاؤه، يقتصر على الطقوس والشؤون الشخصية (منع الحمل، الحيض ونواقض الوضوء) وينزع عنه صفة الشمولية، اسلام لا يدعو لمقاومة الاستعمار، يرضى بالدنية والدونية ولا يتدخل في السياسة والاقتصاد، ولا علاقة له بشؤون الحياة، أداةً لتمرير الهيمنة الأمريكية – الصليبية – الصهيونية، اسلام منزوع الدسم، أداة للاستعمار، يكرس التبعية للخارج، ويشرعن الدكتاتورية والاستبداد في الداخل، يدعو الى فصل الدين عن الدولة والواقع،  اسلامٌ رخوٌ يفتقد لعموده الفقري تمهيدا لتفريغ العقيدة من مضمونها الحقيقي وتحويلها إلى مجرد “طقوس باردة” لا تؤثر في واقع الحكم أو السياسة أو الاقتصاد أو العلاقات الدولية أو الدفاع عن الأوطان والشعوب والمقدسات…

(7)

قد تغير قيادات الأحزاب الاسلامية اسماءها، وقد تقدم تنازلات او يجروا تعديلات في انظمتهم الداخلية استجابة لضرورات المرحلة، وهذا مشروع وجائز ولا ضير منه……….

لكن السؤال: هل سيرى المتربصون بالتيار الإسلامي من العلمانيين والليبراليين واليساريين (بدون تعميم) في هذا “التنازلات” موقفا نبيلا، عقلانيا، براغماتيا، تستحق عليه هذه الأحزاب الإسلامية مزيدا من التقدير والاحترام والاحتضان، ام انه سيفتح شهية هؤلاء المتربصين لمزيد من التنازلات التي قد لا تنتهي الا بإقصاء التيار الإسلامي نهائيا عن الساحة السياسة تمهيدا لاقتلاعه من الجذور؟!…..

عندما تنازل السيد راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية – عجل الله فرجه – عن الانفراد بحكم تونس بعد اول انتخابات بعد الثورة بحكم حصوله على الأكثرية البرلمانية، وذلك رغبة منه في فتح الباب امام فرصة تشكيل حكومة وحدة وطنية يتشارك فيها الجميع في حمل هَمِّ الوطن، وقال قولته الشهيرة: “خسرنا موقعا، وربحنا تونس”، كتبتُ حينها: هل سيرى المتربصون بالتيار الإسلامي في تونس في هذا الموقف المسؤول لزعيم النهضة موقفا يستحق عليه المزيد من الاحترام والتقدير، ام انه سيفتح شهيه هؤلاء الى المزيد من التنازلات والتي لن تنتهي الا بإزالة “النهضة” عن الساحة تماما؟ ما حصل فعلا، هو ان “النهضة” اليوم خارج القانون، وزعيمها في السجون، وتونس عادت الى أوضاع هي الأسوأ في تاريخها الطويل….

أنا لست 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com