الخليج بين صراع النفوذ وإعادة تشكيل النظام الإقليمي.. بقلم: د . عبد الرحيم جاموس

لم يعد الصراع الجاري في منطقة الخليج مجرد حالة توتر سياسي أو أمني عابر، بل بات يعكس تحولات عميقة في بنية النظام الدولي نفسه، وفي طبيعة التوازنات التي تُعاد صياغتها على مستوى الإقليم والعالم. فالمشهد الراهن يكشف بوضوح أن المنطقة دخلت مرحلة إعادة تموضع استراتيجي تتداخل فيها اعتبارات الطاقة والأمن والممرات البحرية والنفوذ الجيوسياسي، ضمن صراع دولي مفتوح على إدارة العالم في مرحلة ما بعد الهيمنة الأحادية.
فالولايات المتحدة ما تزال تنظر إلى الخليج باعتباره أحد أهم مفاتيح السيطرة الدولية، ليس فقط بسبب النفط والطاقة، بل أيضاً لما يمثله من موقع حاكم لحركة التجارة الدولية وأمن الكيان الإسرائيلي وممرات الملاحة البحرية. لذلك تعمل واشنطن على إدارة الصراع بطريقة دقيقة؛ تحافظ من خلالها على حضورها العسكري والسياسي، وتمنع في الوقت ذاته انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة قد تكون نتائجها كارثية على الاقتصاد العالمي وعلى مصالحها الاستراتيجية.
وفي المقابل، تتحرك روسيا بهدوء وصمت محسوبين، مستفيدة من حالة السيولة الدولية التي أفرزتها الحرب الروسية الأوكرانية، ومن التراجع النسبي للهيمنة الغربية التقليدية. فموسكو تدرك أن استنزاف القوى الكبرى والإقليمية ضمن حدود مدروسة قد يفتح لها لاحقاً أبواب العودة القوية إلى قلب التوازنات الدولية، دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة في هذه المرحلة.
أما الصين، فهي الطرف الأكثر هدوءاً والأكثر حضوراً في آنٍ معاً. فبكين تدرك أن الخليج يمثل شرياناً حيوياً لمشروعها الاقتصادي العالمي، سواء من حيث أمن الطاقة أو من حيث موقعه المركزي في مبادرة “الحزام والطريق”. ولهذا تتعامل الصين مع المنطقة بمنطق مختلف عن القوى التقليدية؛ فهي لا تسعى حالياً إلى بناء نفوذ عسكري مباشر بقدر ما تعمل على ترسيخ نفوذ اقتصادي واستراتيجي طويل الأمد يقوم على الشراكات التجارية والاستثمارية والتكنولوجية.
ومن هنا يمكن فهم حرص الصين على تبريد الصراعات الإقليمية، وتشجيع مسارات التهدئة والحوار، كما حدث في رعايتها للتقارب السعودي الإيراني، لأن أي انفجار واسع في الخليج سيشكل تهديداً مباشراً لمصالحها الاقتصادية ولسلاسل الإمداد العالمية التي تعتمد عليها. وفي الوقت ذاته، فإن بكين تستفيد من تراجع الثقة الدولية بالهيمنة الغربية لتقديم نفسها كشريك اقتصادي وسياسي أقل صدامية وأكثر براغماتية.
وهكذا تبدو القوى الكبرى الثلاث ـ الولايات المتحدة وروسيا والصين ـ وكأنها تتحرك بأدوات مختلفة داخل المشهد الخليجي، لكنها تلتقي جميعاً عند نقطة أساسية تتمثل في منع الانفجار الشامل، ومحاولة إدارة التوازنات بما يخدم مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى. فالولايات المتحدة تتحرك بأدوات القوة العسكرية والتحالفات التقليدية، وروسيا تعتمد على الدبلوماسية الهادئة وإدارة التناقضات، بينما تتسلل الصين عبر الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا.
غير أن المسألة الأكثر خطورة تبقى في استمرار الواقع العربي بوصفه ساحةً مفتوحة لتقاطع المشاريع الدولية والإقليمية، أكثر من كونه طرفاً مستقلاً في صناعة مستقبله. فغياب المشروع العربي الجامع، وتراجع منظومات العمل المشترك، جعلا المنطقة عرضةً للتجاذبات الخارجية، ولحروب الاستنزاف السياسية والاقتصادية والأمنية.
ومع ذلك، تبدو بعض الدول الخليجية اليوم أكثر إدراكاً لطبيعة التحولات القادمة، لذلك نشهد توجهاً متزايداً نحو تنويع الشراكات الدولية، وعدم الارتهان الكامل لمحور واحد، إلى جانب التركيز على الاستقرار الداخلي والتنمية الاقتصادية باعتبارهما صمام الأمان الحقيقي في مواجهة أي اضطرابات إقليمية محتملة.
أما القضية الفلسطينية، فرغم كل محاولات التهميش والتجاوز، فإنها تعود في كل أزمة كحقيقة مركزية لا يمكن القفز عنها. ذلك أن استمرار الاحتلال وغياب العدالة التاريخية للشعب الفلسطيني يبقيان المنطقة بأسرها في حالة توتر دائم، ويجعلان أي مشروع إقليمي لا يستند إلى حل عادل للقضية الفلسطينية مشروعاً هشاً وقابلاً للاهتزاز عند أول اختبار حقيقي.
إن ما يجري اليوم في الخليج ليس صراعاً عابراً، بل جزء من عملية إعادة تشكيل واسعة للنظامين الإقليمي والدولي. ولذلك فإن مآلات المرحلة المقبلة لن تُحسم فقط بالتفوق العسكري، بل بقدرة الدول على إدارة الاقتصاد، وبناء التحالفات المرنة، وامتلاك الرؤية الاستراتيجية طويلة النفس، والأهم من ذلك كله: امتلاك القرار الوطني المستقل القادر على حماية المصالح العليا للشعوب والدول بعيداً عن الارتهان للخارج أو الانخراط في مشاريع الاستنزاف المفتوحة.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
الجمعة 8/5/2026 م



