أمّي… زيتونةُ القلب التي لا تشيخ.. نص بقلم د.عبدالرحيم جاموس

أمي..
هي نبضُ القلبِ حينَ يخذلني العالم،
وهي الدعاءُ الخفيُّ الذي يسبقُ اسمي إلى السماء..
وإنْ رحلتْ جسدًا،
فما غابتْ يومًا عن تفاصيلِ روحي،
بل صارتْ أكثرَ حضورًا،
كأنَّ الغيابَ العظيمَ
لا يُطفئُ الأرواحَ النقيّة،
بل يُعيدُها نورًا يسكنُ الأشياء.
أراها كلَّ صباحٍ
في شعاعِ الشمسِ حينَ يلامسُ وجهي برفق،
كأنَّ دفءَ يديها
ما زالَ يربّتُ على تعبِ العمر.
وأراها في ضوءِ القمر،
هادئةً كصلاةِ أمٍّ
تخافُ على أبنائها حتى وهم نائمون.
أراها في صفاءِ النفس،
حينَ ينتصرُ الخيرُ على قسوةِ الأيام،
وفي سكونِ الليل
حينَ تهمسُ الذكرياتُ بأسمائها القديمة،
فتبكي الروحُ شوقًا
ويبتسمُ القلبُ امتنانًا.
هي شجرةٌ مثمرة،
كلُّ أغصانِها كانتْ ظلالًا لنا،
وكلُّ ثمارِها
كانتْ صبرًا وحبًّا وكرامة.
هي زيتونةٌ لا تشيخ،
ضاربةٌ جذورَها
في ترابِ الوطنِ والروح،
مهما مرَّتْ عليها رياحُ العمر
تبقى خضراءَ القلب،
عامرةً بالعطاء.
أمي…
ليستْ امرأةً عبرتْ حياتي،
بل وطنٌ صغيرٌ
كلما ضاقتْ بي المنافي
عدتُ إليه.
هي المعنى الأولُ للأمان،
وأولُ درسٍ في الرحمة،
وأولُ وطنٍ
حملني دونَ أن يسألني
من أكون.
وحينَ أذكرها،
أفهمُ كيفَ يمكنُ للحبِّ
أن يتحوّلَ إلى رسالة،
وكيفَ تصبحُ التضحيةُ
لغةً لا تحتاجُ إلى كلمات.
فالأمُّ لا ترحلُ حقًا،
إنها تتحوّلُ إلى نورٍ داخليّ،
إلى يقينٍ هادئ،
إلى صلاةٍ ترافقُنا
كلما أرهقنا الطريق.
سلامٌ على الأمهاتِ
اللواتي يُخفينَ وجعَهُنَّ
كي يبقى العالمُ أكثرَ احتمالًا،
وسلامٌ على أمّي…
التي علّمتني
أنَّ الإنسانَ لا يكبرُ بالسنين،
بل بمقدارِ ما يحملُ في قلبه
من حبٍّ ووفاءٍ ونبل.
د. عبد الرحيم جاموس
رام الله
17/5/2026 م



