عيدٌ مؤجّل.. بقلم/ زينة شعت

من وسط الخيام،
ومن فوق ركامٍ ما زال يحفظ أسماء أصحابه،
ومن بين أمهاتٍ ارتدين أثواب الصلاة حتى صارت أثوابهن، وسترهن، وملابس عيدهن…
من فم طفلٍ يعرف طريق التكية أكثر من طريق المدرسة، ويحفظ أسماء الشهداء أكثر مما حفظ حروف اللغة العربية، ويميّز صوت الطائرة قبل أن يتعلّم أسماء الطيور…
أكتب إليكم لأهنئكم بالعيد.
وأيُّ عيد؟
أعتذر إن ارتجفت كلماتي؛
فالجسد مُنهك، والعينان شاحبتان، والمعطف البالي لم يعد يقي من شمس الخيمة ولا من تعب الأيام… لكننا بخير.
نعم، بخير؛ فما زال أطفالي حولي، وإن ناموا على جوعٍ ينام متأخرًا ويستيقظ قبلهم.
لا بأس إن لم يرتدوا ثياب العيد،
أو لم يروا العجل يُذبح،
أو لم تتّسع موائدنا إلا للانتظار.
هذا عامهم الثالث الذي يتعلّمون فيه أن الفرح ضيفٌ يضل الطريق إلى غزة.
أما مواليد الحرب…
فهؤلاء لا يعرفون كثيرًا عن العالم؛
يحسبون الكهرباء حكاية، والبيت ذاكرة، والنافذة رفاهية، والأمان شيئًا يشبه الخيال ولكنهم حتما لا يعرفون كيف يبدو العيد.
وأطفالنا…
حفاة، نعم… لكنهم مكسوّون بما لا يُرى؛
بعناد النجاة، وبقايا دفءٍ تخبئه الأمهات في الدعاء.
وجوههم شاحبة، وأقدامهم متشققة من حرارة التراب وطول الوقوف في الطوابير ، لكن في عيونهم شيءٌ لا تفهمه الهزيمة؛
شيءٌ يشبه وطنًا صغيرًا يرفض أن يموت.
لا يهم إن صارت الخيمة بيتًا يخاصم الريح والشمس،
ولا إن مرّت التكبيرات يتيمة بين الركام،
ولا إن خبزنا الصاج بلا لحم، وتركنا على المائدة مقعدًا للغائبين.
لن نبكي طويلًا هذا العيد.
لا لأن الوجع أقلّ… بل لأن القلب تعب من شرح نفسه.
انظروا إلى أمهات الشهداء؛
كيف يخبئن انكسارهن في أطراف الأثواب، ويقدّمن القهوة للضيوف كأن الفقد أمرٌ يمكن تأجيله.
انظروا إلى أمّ المفقود؛
تترك باب الخيمة مواربًا، كأن الغياب قد يخجل يومًا ويعود.
وإلى الأرملة التي صارت جيشًا كاملًا كي لا يسقط أطفالها من التعب.
لا يهم إن كان عيدنا فوق الركام…
فالركام يعرف أهله، والأرض لا تنسى أسماء من مرّوا عليها حفاة.
غدًا ستشرق الشمس،
وستغرد الطيور فوق ما تبقّى،
وسنرسل لكم تهنئةً لا تشبه التهاني:
كل عامٍ ونحن ما زلنا هنا.
نخسر الكثير… ولا نخسر أنفسنا.
عيدُنا مؤجّل، نعم،
لكن الكرامة لا تؤجَّل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com