شعيرة الحج بين فقه المناسك، وجدانية النفحات، وإشكالية التسييس والعسكرة

مقدمة: عن صدمة البروتوكول وتبديد السكينة

تتجه أنظار الأمة الإسلامية في كل عام نحو صعيد عرفات الطاهر، حيث تجتمع القلوب والأبدان مجردة من كل مظاهر الدنيا الفانية، لتجسيد وحدة الأمة وقيمها الكبرى. ومع إلقاء خطبة عرفة لعام 1447هـ (2026م) بصوت فضيلة الشيخ الدكتور علي بن عبد الرحمن الحذيفي من مسجد نمرة، برزت إلى السطح مفارقة حادة تطرح إشكالاً بنيوياً عميقاً في دراسات الفقه السياسي الإسلامي: كيف تحولت أقدس بقاع الأرض، التي أُسست على اساس التجرد المطلق والمسكنة والذل لله وحده ، إلى مسرح للبروتوكولات السياسية، والاستعراضات العسكرية الحاشدة، والصلافة الإدارية؟

حيث تزامن الحدث إعلاميا ياستظهار  الآليات الثقيلة وقوات الصاعقة بوجوهها المموهة مع اشهار ان ذلك لحماية الحجاج ، هذا المظهر يحمل في طياته صدمة بصرية ومفهومية تذهب بروحانية المكان، وتحول “رحلة العمر” الروحية إلى بيئة محاطة بالترهيب الأمني؛ مما يثير تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة استيلاء نظام سياسي بمفرده على إدارة هذه الشعيرة الكونية، وتوظيفها لخدمة شرعيته السياسية والمذهبية على حساب الوعي الجمعي للأمة الإسلامية، وقضاياها المصيرية.

المبحث الأول: الحج في الوعي الفكري والوجداني للأمة

لطالما كان الحج محط أنظار المفكرين والفلاسفة والشعراء الذين التقطوا نفحاته العميقة وجردوه من المظاهر الدنيوية الزائفة، ليعيدوا ربطه بجوهر العبودية، والتحرر، والعدالة الاجتماعية.

  1. مالك بن نبي.. الحج كقوة حضارية وإنسانية

في روايته الوحيدة الماتعة متعددة الدلالة :  “لبيك.. حج الفقراء”، يطرح المفكر الجزائري مالك بن نبي رؤية اجتماعية وحضارية ثاقبة للحج [1]. يرى بن نبي أن الحج هو “ملتقى الإنسانية المستضعفة”، حيث يذوب الفقر والغنى في لباس إحرام موحد يتحدى الفوارق الطبقية. الحج عنده ليس مجرد طقوس ميكانيكية، بل هو مؤتمر كوني وميلاد مجتمعي جديد، وقوة دفع حضارية تُعلم المسلم الانعتاق من قيود الاستبداد والدونية، والتحرك الجماعي المنظم نحو هدف واحد. هذه الروح التحررية تتناقض بنيوياً مع أي محاولة لعسكرة المشاعر أو تحويل الحج إلى منصة لاستعراض قوة السلطة أمام “الفقراء” والمستضعفين الذين جاءوا يرجون رحمة ربهم.

  1. مراد هوفمان.. الحج كرحلة وجودية وتجسيد للتوحيد

يقدم المفكر والدبلوماسي الألماني الراحل الدكتور مراد هوفمان، قراءة فلسفية وتاريخية باهرة للحج نابعة من تجربة حياة استثنائية [2]؛ فبعد معايشته لوحشية الاستعمار في الجزائر وقراءته العميقة للقرآن، أشهر إسلامه عام 1980 مدفوعاً بوضوح عقيدة التوحيد وبساطتها. عندما حج هوفمان عام 1995، التقط بعين الفيلسوف جوهر الشعيرة؛ فرأى في بساطة الكعبة وتجرّدها من الزخرفة المعمارية المعقدة تعبيراً عبقرياً ومطلقاً عن “جوهر التوحيد”. واختزل الحج في مجاز وجودي مهيب كتبه في مذكراته معتبراً الإحرام إشارة إلى الموت، والطواف تسليماً لله، والسعي مكابدة، ويوم عرفة محاكاة ليوم القيامة، ورمي الجمرات كفاحاً مستمراً ضد الشر. هذا المجاز الرمزي يمثّل حقيقة شعيرة الحج وجوهرها بعيداً عن التعقيدات الإدارية المعاصرة.

  1. الشيخ متولي الشعراوي.. فقه التجرد والوقوف بين يدي الله

يركز الإمام متولي الشعراوي في خواطره حول الحج على “فقه التجرد” [3]. حيث يرى  أن الحج هو تدريب عملي صارم على الموت والبعث؛ فالإحرام كفن، وعرفات هو الموقف الأكبر المذكر بيوم العرض. ويشير إلى أن حكمة الحج تكمن في خروج الإنسان بكليته من تدبيره ونفوذه الدنيوي إلى رحاب تدبير الحق سبحانه. في الحج، يسقط الجاه، والتفوق العسكري، والتمايز السياسي؛ فالجميع عبيد حفاة عراة الرؤوس، ومن يحاول إدخال مظاهر الهيبة العسكرية في هذا المشهد الخاشع، إنما يصادم حكمة التجرد التي بُنيت عليها الشعيرة.

  1. البعد الوجداني وأشواق الحجيج

تفيض الذاكرة الإسلامية بقصائد الشوق التي تختزل نفحات الحج الروحية، مثل المدائح الشعبية والتراثية كقصيدة “شايلوني يا أهل الشمائل” وغيرها من الأنغام التي تعبر عن انكسار قلوب المحبين وتوقها للوصول إلى العتبات المقدسة. هذه الأشواق المفعمة بالسلام والسكينة تُمثل الجوهر الروحي للشعيرة، وهو جوهر يتنافر كلياً مع المشاهد الصادمة للآليات العسكرية وقوات الصاعقة بوجوهها المموهة في منى وعرفات، والتي تبث الترويع بدلاً من طمأنينة السكينة النبوية.

المبحث الثاني: تحليل لخطبة عرفة (الاستلاب والعسكرة)

تكشف قراءة خطبة عرفة لعام 1447هـ، وما يحيط بها من ظروف بروتوكولية، عن توظيف منهجي للمنبر لخدمة الأجندات السياسية والدبلوماسية للدولة المضيفة، وذلك عبر عدة محاور:

  1. الانفصال عن واقع الأمة: غياب المستضعفين ومأساة غزة (15 دقيقة من التجاهل)

من أبرز المؤشرات الأكاديمية الدالة على علمنة المنبر وتفريغه من مضمونه الجامع، هو التحليل الزمني والمضموني لخطبة مسجد نمرة التي ألقاها الشيخ الحذيفي [4]. لقد اقتصرت الخطبة على مدة زمنية قصيرة ومقتضبة لم تتجاوز الخمس عشرة دقيقة (15 دقيقة)، وفي مفارقة صارخة، غاب عنها تماماً أي ذكر لمآسي الأمة الكبرى أو نداءات التضامن مع المستضعفين، وفي مقدمتهم غزة وفلسطين الجريحة التي تباد تحت أنظار العالم.

إن تعمد تجاهل الإبادة الجماعية التي يتعرض لها جزء أصيل من جسد الأمة في أقدس يوم تتجلى فيه وحدتها، والاكتفاء بترديد عموميات فقهية مجردة مكتوبة سلفاً، يعكس بوضوح سياسة “تجريد الحج من وعيه السياسي الإسلامي المشترك”. المنبر الذي كان يفترض أن يكون صوت الأمة وضميرها، تحول إلى أداة تكرس الانفصال عن واقع المسلمين المرير، استجابةً لإملاءات التطبيع أو التهدئة السياسية والإقليمية التي تنتهجها السلطة السياسية، مما يؤكد أن المنبر خاضع لسقف وزارة الخارجية لا لفقه الاستخلاف والموالاة الإيمانية.

  1. التعريض الفقهي المبطن والتلاعب المفاهيمي

تاريخياً، ألقى الشيخ الحذيفي خطبة جمعة نارية عام 1418هـ هاجم فيها العقيدة الشيعية صراحة بوصفهم “الرافضة” بحضور وفد إيراني رسمي، مما أدى لإيقافه حينها لتسببه بحرج دبلوماسي [5]. أما في خطبة اليوم، وتماشياً مع الخط الدبلوماسي الجديد، غاب اللفظ الصريح لـ “الروافض”، لكن تم استبداله بأسلوب “التعريض المفاهيمي” [6].

فقد وصل الشطط الأيديولوجي لخدمة الطرح المذهبي الرسمي إلى تركيب لفظي متكلف شابه مأزق فقهي واضح؛ حين قدم الخطيب لفظ “التوحيد” كركيزة زائدة تسبق عدّ أركان الإسلام الخمسة، قائلاً: “التوحيد؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة..”. هذا التكلف المبني على الحديث المتواتر (“بني الإسلام على خمس..”) [7] يهدف إلى مزايدة إقصائية، تمرر رسالة مذهبية تفيد بأن الدخول في الإسلام لا يستقيم إلا عبر المدرسة الفكرية النجدية، مما يكرس الوصاية على عقائد ضيوف الرحمن.

  1. استعراضات القوة العسكرية ومفارقة حادثة جهيمان

تُثير الاستعراضات العسكرية الضخمة لقوات الصاعقة والآليات الثقيلة تساؤلات منهجية حول موافقتها للسنة وجدواها الميدانية. تكمن المفارقة التاريخية في أن هذه الاستعراضات العسكرية عجزت بشكل سافر عن حماية الحرم في الحادثة الشهيرة عام 1979م (ثورة جهيمان العتيبي)، حين لم تتمكن السلطات من حسم الموقف وتحرير المسجد الحرام إلا بعد الاستعانة بوحدة الكوماندوز الفرنسية (GIGN) التي خططت وزودتهم بالغازات السامة [8]. هذا يثبت أكاديمياً أن الاستعراضات الحالية هي “بروباغندا” سياسية داخلية، وليست كفاءة مخصصة للحفاظ على أمن الحجاج ومواكبة سكينتهم.

المبحث الثالث: عفوية “الخيام الفقهية” وتحطيم الأحادية المذهبية

من رحمة التشريع الإسلامي ومرونته الفائقة، أنه لم يربط صحة الحج أو قبول يوم عرفة بالاستماع الإجباري لخطبة السلطان في مسجد نمرة. فمن الناحية الفقهية والعملية، يمكن لكل خيمة في صعيد عرفات أن تؤم إماماً يخطب فيها، ويلتفت حوله مريدوه ليغترفوا من النفحات الروحية بعيداً عن صخب المكبرات الرسمية وتسييسها. هذا التعدد العفوي الفطري يحفظ للحج روحانيته، وهو ما يظهر جلياً عند دراسة خطابات الخيام:

أولاً: الوعي الصوفي الوجداني (خطبة الشوق والانكسار)

في الخيام الإيمانية التابعة للمدارس الصوفية بصعيد عرفات، يبرز الخطاب الروحي كبديل خالص يداوي جراح القلوب المنكسرة ويجرد العبادة من الجفاف الفقهي والتعريض الإقصائي [9]. يتمحور هذا الخطاب حول “فقه القلوب” والفقر المطلق للحق سبحانه. وقد احتشدت هذه المواعظ بالبث الروحي والأشواق الجياشة، مستشهدة بالشعر الروحي البليغ الذي يرسم معالم التذلل والالتجاء:

أَتَيْتُكَ عَبْدًا مُقِرًّا بِالذُّنُوبِ وَقَدْ هَفَا … وَأَنْتَ غَفُورٌ تُعَوِّدُ الْعَفْوَ وَالْصَّفْحَا

هذا التوجه يُعلي من قيمة تفريغ القلب، حيث السكينة هي القائد، والدموع هي الترجُمان، والهدف هو الخروج من “ربقة الهوى” إلى عتق القبول الإلهي، متجاوزاً بذلك جمود الخطاب الرسمي.

ثانياً: الوعي الشيعي في عرفات (دعاء الإمام الحسين الوجودي)

في جانب آخر من المشهد، تتجلى أبعاد روحية وفلسفية عميقة داخل خيام الحجاج من المدرسة الجعفرية، حيث يبتعدون عن صخب البروتوكولات الرسمية لتلاوة “دعاء الإمام الحسين بن علي في يوم عرفة” [10]. هذا النص الروحي يمثل ملحمة حقيقية في التوحيد والعبودية والاعتراف بعجز الإنسان، حيث ترتفع أصوات الحجاج بالبكاء والانكسار خلف إمامهم:

“إِلَهِي أَنَا الْفَقِيرُ فِي غِنَايَ فَكَيْفَ لا أَكُونُ فَقِيراً فِي فَقْرِي؟… إِلَهِي عَمِيَتْ عَيْنٌ لا تَرَاكَ عَلَيْهَا رَقِيباً”.

إن هذا التنوع الإيماني المشهود في عفوية خيام عرفات، يثبت أكاديمياً وميدانياً أن الروحانية لا يمكن تأميمها أو حصرها في زاوية واحدة، وأن تعددية الأمة هي ضمانة بقاء جوهر الشعيرة حياً في النفوس.

المبحث الرابع: شعائر الحج.. أيام معدودات تتطلب السكينة البنائية

إن الحج في بُنيته الشرعية العميقة هو عبارة عن رحلة مكثفة وخاطفة، تؤدى في أيام معدودات، وتعتمد بالأساس على الحركة المستمرة والتنقل بين المشاعر. تبدأ هذه الرحلة من “الميقات” بالاغتسال ولبس الإحرام الذي يعلن تجرد الإنسان من هويته الدنيوية، ليتجه بعدها إلى مكة المكرمة لأداء طواف القدوم والسعي في حركة دائرية ترمز إلى مركزية التوحيد. وفي يوم التروية (الثامن من ذي الحجة)، تنطلق الجموع نحو “منى” للمبيت تأهباً للركن الأعظم.

ومع شروق شمس اليوم التاسع، يزحف الحجيج نحو صعيد عرفات في مشهد مهيب يحاكي الحشر، ليقفوا حتى الغروب في تضرع ودعاء يمثل ذروة الانكسار البشري. وبمجرد مغيب الشمس، تفيض الجموع نحو “مزدلفة” للمبيت تحت سماء مفتوحة وجمع الحصى، استعداداً ليوم النحر الأكبر، حيث يتم رمي جمرة العقبة، والنحر، والحلق، والتحلل، متبوعاً بطواف الإفاضة. وتُختتم الرحلة بأيام التشريق في منى لرمي الجمرات الثلاث يومياً، ثم طواف الوداع.

إن القراءة المتأنية لهذه الخطوات المكثفة والمتسارعة تؤكد أن هذه الأيام القليلة شُرعت لتكون حافلة بالتأمل الذاتي والانكسار العميق. وبالتالي، فإن إقحام الضجيج العسكري، والاستعراضات الأمنية، والمواكب البروتوكولية المتعالية، يعطل الغاية التعبدية الوجودية، ويصرف ذهن الحاج عن مراقبة قلبه إلى الانشغال بمظاهر القوة الدنيوية الخشنة المحيطة به.

المبحث الخامس: فقه ووعي المشاعر.. الدروس الروحية والمقاصد الكبرى

  1. إلى عرفات الله.. ورسائل الوحدة المهجورة

في هذا المؤتمر العام، تحتشد النصوص من قائد الأمة وحبيبها لتذكرها بالدرس القيمي الكلي. لقد عظّم النبي محمد مكانة المسلم ودمه وحريته، وجعل حرمة دم المسلم أعظم على الله من الكعبة ذاتها. إن الكعبة هي رمز التوحيد، ولكن صيانة الإنسان، ورعايته، وحقن دمه هي من صميم الاستجابة الحقيقية لله. والغريب أن يُقرن تحريم الدماء بالبيت العتيق في حجة الوداع، وكأنه ينبه الأنظمة المتقاتلة والمستبدة التي استباحت دماء المسلمين (كما في غزة اليوم)، بأن استعراضهم في الحج باطل ما دامت أيديهم مغلولة عن نصرة المظلوم أو متورطة في دمه.

  1. جبلٌ ليس كالجبال.. وتجلي الرحمات

إنها لحظات جلاء الروح، واستحضار المشهد المشهود؛ صعيد عرفات هو يوم تجلّي الرحمات، وتغشّي البركات. ولن يصل الحاج لهذا الهدف إلا بصدق التوجه، وإخلاء الساحة القلبية لله. ولن يفيد المرء أن يقطع المسافات، ويركب فاره الثياب، ويحظى بخصوصيات السكن الفندقي الباذخ حول الحرم، إذا كانت بوصلة الروح معطلة ومفتقرة للخشوع والتواضع الفطري.

  1. رحلة المقاومة ومراغمة الباطل

تتجسد ذروة الوعي الحركي في مناسك الحج عند رمي الجمار في تلك الأيام المعدودات. إنها ليست مجرد رشق لحجارة، بل هي إعلان لرحلة المقاومة الكبرى ضد رموز الباطل ووساوس المعصية. إنها مواجهة صريحة مع مصالح وشهوات النفس الخسيسة التي تظلم ذاتها وسواها. وقد جاء هذا النسك تخليداً لدرس إبراهيم الخليل عليه السلام في مراغمة نداء الباطل بالثبات على الحق، وهو ما يتطلب التضحية المستمرة ومقاومة كل أشكال الاستبداد وتوظيف الدين لخدمة الهوى.

الخاتمة والتوصيات: نحو إدارة إسلامية جامعة لرحاب الحرمين

إن تفكيك الخطاب الأيديولوجي لشعيرة الحج، ورصد الإخفاقات التي تعتري إدارته السياسية (من عسكرة المشاعر وتجاهل قضايا المستضعفين)، يقودنا أكاديمياً وموضوعياً إلى حتمية إعادة التفكير في النموذج الإداري القائم. الحج ملك للأمة الإسلامية برمتها، وبناءً على ما تقدم من شواهد وتحليلات، نضع التوصيات الاستراتيجية التالية:

أولاً: تدويل الإدارة الخدمية واللوجستية للشعيرة:

نقترح تأسيس هيئة عليا مستقلة لإدارة المشاعر المقدسة تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي، تتناوب على تسييرها الكفاءات من كافة الدول الإسلامية. هذا الإجراء يضمن كسر الاحتكار السياسي، ويمنع أي نظام من استخدام الحج كأداة للضغط، أو الابتزاز الدبلوماسي، أو المنع الأمني للمعارضين والمفكرين.

ثانياً: تأسيس مجلس فقهي قيادي تعددي وإقرار لامركزية المنابر:

يجب تحرير منابر الحرمين من القولبة المذهبية الأحادية وتوجيهات السلطة القطرية، عبر تشكيل مجلس فقهي يضم علماء الأمة من كافة المذاهب الإسلامية المعتبرة، يتناوبون على إلقاء خطبة عرفة، لتكريس مفهوم الوحدة وربط المنبر بقضايا الأمة الكبرى (كفلسطين). بالتوازي مع ذلك، يجب إقرار وحماية مشروعية “الخيام الفقهية الذاتية” التي تتيح للحجيج ممارسة شعائرهم الروحية بحرية وأمان.

ثالثاً: إخلاء المشاعر المقدسة من مظاهر العسكرة (نزع السلاح البروبوغاندي):

يُشترط إعادة صياغة المفهوم الأمني ليتحول إلى “أمن مدني خدمي خالص”. يجب منع المظاهر العسكرية الصادمة والأسلحة الثقيلة، واستبدالها بفرق إدارة حشود مدنية متخصصة تلبس زياً موحداً يُشيع طمأنينة السكينة لا رهبة السلطان.

رابعاً: كبح الرأسمالية المتوحشة وتحرير اقتصاديات الحج:

ضرورة الحد من مظاهر الخصخصة الطبقية المحيطة بالحرمين، وإعادة الحج لبساطته وتكافؤ فرصه لضمان “حج الفقراء”، حتى لا يتحول البيت العتيق إلى منتجع نخبوي يطوقه السلاح، بل يعود ملتقى للمستضعفين يطوقه الإخلاص والتوحيد الخالص.

إن تبني هذه التوصيات هو المسار الأكاديمي والعملي لإنقاذ جوهر الحج، ليعود فضاءً للسلام الروحي، وميداناً لمقاومة الاستبداد، استجابةً للنداء الخالد: «لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك من الهوى، ولا شريك لك من الشيطان، ولا شريك لك من مصالح النفس وعبودية الإنسان».

واليوم عرفة غدا العيد فعيدكم مبارك وكل عام وانتم بالف خبر .

                                             برج زمورة او عرفة 10 ذو الحجة 1447 موافق 26-05-2026

                                                                      الفقير الى الله وحده موسى عزوق

عن   المراجع  :

[1] مالك بن نبي، رواية لبيك حج الفقراء، دار الفكر للنشر والتوزيع، دمشق، ط1، سنة النشر 1970م.

[2] مراد هوفمان، رحلة إلى مكة، ترجمة: أحمد الملا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، سنة النشر 1999م.

[3] محمد متولي الشعراوي، أسرار الحج وعبره الروحية، مطبعة أخبار اليوم، القاهرة، سنة النشر 1985م.

[4] تحليل مضموني وزمني لخطبة عرفة 1447هـ، مسجد نمرة. مدة الخطبة (15 دقيقة) وتجاهلها لقضايا المستضعفين وغزة. رابط التوثيق للخطبة المصورة:

[5] الأرشيف التاريخي للخطب الحجازية، أزمة خطبة الشيخ الحذيفي بحضور الوفد الإيراني، وثائق الشؤون الدبلوماسية، 1418هـ.

[6] خطبة عرفة 1447هـ للشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي، الرابط الرسمي الكامل (قناة القرآن الكريم الرسمية): https://www.youtube.com/watch?v=Ea664JHx2rY

[7] محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب بني الإسلام على خمس، دار طوق النجاة، ط1، حديث رقم 8.

[8] توماس هغمر، ثورة الحرم: حادثة جهيمان العتيبي واقتحام مكة 1979، دار الرواد للنشر، ط2، سنة النشر 2021م (توثيق التدخل والغازات الفرنسية عبر قوات GIGN).

[9] الموعظة الروحية الصوفية في الخيمة بعرفات دون ورقة (الخطبة الوجدانية والشعر الروحي)، توثيق ميداني متاح عبر الرابط: https://www.facebook.com/share/v/1BuhJnHnbP/.

[10] دعاء الإمام الحسين بن علي (ع) يوم عرفة المأثور (تلاوة في خيام الحجيج الجعفري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com