المطران عطاالله حنا: السلام الحقيقي لا يحتاج إلى أسوار فصل عنصري بل إلى إزالة هذه الأسوار والحواجز العسكرية

قبل عدة أيام شاهدنا مشهداً مؤلماً ومروعاً عندما تم قنص شاب فلسطيني حاول صعود جدار الفصل العنصري لكي يدخل إلى القدس من أجل إيجاد عمل وإعالة أسرته. وما أكثر أولئك الذين تعرضوا للقنص وإطلاق الرصاص، وذنبهم الوحيد أنهم لا يملكون تصريح دخول إلى القدس ويريدون الوصول إلى أعمالهم وأماكن رزقهم.
الفلسطينيون في الضفة الغربية يعيشون وكأنهم في سجن كبير. ولدى زيارتنا البارحة إلى بيت لحم استمعنا إلى شهادات من شباب عاطلين عن العمل يعيشون حالة غير مسبوقة من الفقر والعوز لأنهم لا يملكون تصاريح الدخول إلى القدس ومناطق الـ48.
لقد فقد الكثيرون من شبابنا وأبنائنا أعمالهم ومصدر رزقهم بعد السابع من أكتوبر وبدء الحرب على غزة، وكأننا أمام سياسة ممنهجة هدفها تجويع الفلسطينيين وإذلالهم وتركيعهم والنيل من معنوياتهم.
ولا أذيع سراً إذا ما قلت بأن هنالك عدداً من شبابنا العاطلين عن العمل الذين بدأوا يفكرون بالهجرة، وبدأوا يشعرون بحالة من اليأس والإحباط والقنوط. كما لا أذيع سراً إذا ما قلت بأن أبناءنا في الضفة الغربية يعيشون في أوضاع مأساوية وكارثية، والكثيرون منهم لا يتمكنون من الوصول إلى أعمالهم ويعيشون حالة من الفقر والعوز.
لقد كانت هنالك مظاهرات في محافظة بيت لحم ومدنها لأبنائنا الذين رفعوا لافتات تنادي بأنه من حقهم أن يتمتعوا بحرية الوصول إلى أشغالهم وأعمالهم، ونحن نؤيدهم في ذلك.
فالفلسطيني يجب أن يتمتع بحرية الوصول إلى عمله وإلى قدسه ومقدساته، ولا يجوز أن يُعامل الفلسطينيون بهذه القساوة وبهذه العنجهية.
الضفة الغربية تحيط بها الأسوار والحواجز والبوابات العسكرية، وبات الانتقال من مكان إلى مكان مسألة في غاية الصعوبة، فإلى متى سوف تستمر هذه المعاناة؟
أين هي الدول المتحضرة التي تدافع عن حقوق الإنسان أمام هذا الكم الهائل من المظالم، حيث يُجوَّع الفلسطينيون ويُمنعون من الوصول إلى أشغالهم وأعمالهم؟
أين هي المنظمات الحقوقية والإنسانية من حصار الضفة الغربية ومحاولة النيل من معنويات أبنائها وصمودهم وثباتهم في ارضهم؟
ما يحدث حالياً في الضفة إنما هو سياسة تطفيش كما نقول بلغتنا العامية، وهي سياسة تحفيز على الهجرة الطوعية وإفراغ الضفة من أبنائها ومن مكوناتها الأصلية والأصيلة.
ما يحدث في الضفة الغربية لا يمكن قبوله أو تبريره بأي شكل من الأشكال، حيث باتت مسألة الوصول إلى القدس أمنية لدى الكثيرين.
هنالك من يأتون إلى القدس من مختلف أرجاء العالم، ومن أمريكا وكندا وأستراليا وأوروبا، ويسافرون لساعات طويلة في الطائرات حتى يصلوا إلى القدس.
أما أبناء محافظة بيت لحم التي لا تبعد عن القدس أكثر من نصف ساعة بالسيارة، وكذلك أبناء رام الله ومدن وبلدات ومحافظات الضفة، فهم لا يتمتعون بحرية الوصول إلى القدس.
فأي مفارقة هذه أن يأتي الزائرون من كل مكان في هذا العالم، ونحن بالطبع نرحب بهم، ولكن أبناء هذه الأرض الفلسطينيون يُمنعون من الوصول إلى قدسهم ومقدساتهم؟ فأين هي العدالة في كل هذا؟ ولماذا يتم تكريس هذا الظلم بحق الفلسطينيين وكأنه أمر واقع؟
أما ما يحدث في غزة فحدث ولا حرج. فقد قيل لنا إن الحرب قد توقفت، ولكن القصف لم يتوقف، والاعتداءات لم تتوقف، وفي كل يوم تُسفك دماء جديدة. وهذا لا يجوز أن يتحول إلى خبر عاجل، فدماء الفلسطينيين المسفوكة في هذه الأرض ليست خبراً عابراً، بل هي مأساة شعب وكارثة شعب يعيش في ظل أوضاع مأساوية غير مسبوقة في التاريخ البشري الحديث.
لا يجوز أن يستمر هذا الحال، فالسلام لا يحتاج إلى أسوار فصل عنصري بل إلى جسور تواصل، ولا يمكن للسلام أن يتحقق مع كل هذه الكوارث والمآسي والمعاناة التي يتعرض لها شعبنا الفلسطيني في الضفة وغزة والقدس.
إن القادة السياسيين في العالم مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يتحركوا من أجل تحقيق سلام حقيقي في هذا المشرق وفي هذه البقعة المباركة من العالم. والسلام لا يُبنى من خلال العدوان أو القصف أو التدمير أو التخريب أو استهداف المدنيين والأبرياء.
يا أيها الرؤساء في عالمنا، تحركوا من أجل شعبنا وإنقاذه من هذا الكم الهائل من المآسي التي يعيشها.
وبالطبع نحن نحيّي كافة الأحرار في هذا العالم، ومنهم قادة سياسيون وإعلاميون ومثقفون يقفون مع شعبنا في آلامه وأحزانه ومعاناته.
نتمنى أن تتسع رقعة الأحرار في هذا العالم لكي تشمل أكبر عدد ممكن من القادة السياسيين الذين يتحكمون بمصائر الشعوب، لكي يكونوا أكثر عدلاً وإنصافاً، ولكي يعملوا من أجل سلام حقيقي وليس سلاماً مزيفاً.
كان الله في عون شعبنا أمام هذا الكم الهائل من المظالم.
المطران عطاالله حنا
رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 5 حزيران 2026



