توسيع اقتطاعات أموال المقاصة الفلسطينية: التداعيات القانونية والاقتصادية وخيارات المواجهة.. بقلم: المحامي علي أبو حبلة

أقرت الكنيست الإسرائيلية قانوناً جديداً يوسع نطاق الاقتطاعات من أموال المقاصة الفلسطينية، في خطوة تندرج ضمن سلسلة من الإجراءات المالية والاقتصادية التي اتخذتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة خلال السنوات الأخيرة تجاه السلطة الفلسطينية. ويمنح القانون الحكومة الإسرائيلية صلاحيات أوسع لاقتطاع مبالغ إضافية من عائدات الضرائب والجمارك التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية، بذريعة تغطية التعويضات والمدفوعات التي تتحملها مؤسسات الدولة الإسرائيلية جراء العمليات الفلسطينية.
ويكتسب هذا القانون أهمية خاصة نظراً لما تمثله أموال المقاصة من ركيزة أساسية للموازنة الفلسطينية، حيث تشكل النسبة الأكبر من الإيرادات العامة، الأمر الذي يجعل أي اقتطاعات إضافية ذات انعكاسات مباشرة على قدرة الحكومة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها المالية والإدارية وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
البعد القانوني
تثير الخطوة الإسرائيلية تساؤلات قانونية جدية بشأن مدى انسجامها مع الالتزامات الناشئة عن الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ولا سيما بروتوكول باريس الاقتصادي الذي نظم العلاقة المالية والاقتصادية بين الطرفين، وحدد آليات جباية وتحويل الإيرادات الضريبية الفلسطينية.
ويرى العديد من الخبراء القانونيين أن الاقتطاعات الأحادية الجانب تمثل خروجاً عن روح الاتفاقيات الثنائية، خاصة عندما تتحول أموال المقاصة إلى أداة للضغط السياسي أو الاقتصادي. كما أن استمرار حجز الأموال أو إعادة توجيهها لأغراض لا ترتبط مباشرة بآلية الجباية والتحويل يثير إشكاليات قانونية تتعلق بحقوق الطرف الفلسطيني في موارده المالية المستحقة.
وفي الوقت ذاته، فإن القانون الجديد يعكس اتجاهاً متنامياً داخل الحكومة الإسرائيلية نحو توظيف الأدوات الاقتصادية في إدارة الصراع السياسي، وهو ما يفتح الباب أمام المزيد من الخلافات القانونية والسياسية بين الجانبين.
التداعيات الاقتصادية
تأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه الاقتصاد الفلسطيني تحديات مركبة تتمثل في تباطؤ النمو الاقتصادي، وتراجع النشاط التجاري، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وتقلص المساعدات الخارجية، فضلاً عن التداعيات المستمرة للحرب على غزة والإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
ومن المتوقع أن تؤدي الاقتطاعات الجديدة إلى تعميق الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية، وإلى زيادة الضغوط على الخزينة العامة، بما ينعكس على انتظام صرف الرواتب، وتمويل القطاع الصحي والتعليمي والخدمات الاجتماعية، إضافة إلى تأثيراتها على القطاع الخاص الذي يرتبط جزء كبير من نشاطه بالإنفاق الحكومي.
كما أن استمرار حالة عدم اليقين بشأن حجم أموال المقاصة المحولة شهرياً يضعف قدرة الحكومة الفلسطينية على التخطيط المالي متوسط وطويل الأجل، ويؤثر سلباً على ثقة المستثمرين والقطاع المصرفي والأسواق المحلية.
الأبعاد السياسية والاستراتيجية
من الناحية السياسية، يأتي القانون في إطار توجه إسرائيلي أوسع يهدف إلى زيادة الضغوط على السلطة الفلسطينية في ظل حالة الجمود السياسي وغياب أفق واضح لاستئناف العملية السياسية. كما يعكس استمرار الخلافات العميقة حول طبيعة العلاقة بين الجانبين ومستقبل الاتفاقيات الموقعة.
وفي المقابل، تضع هذه التطورات السلطة الفلسطينية أمام تحديات متزايدة تتعلق بقدرتها على الحفاظ على الاستقرار المالي والمؤسسي، في ظل تراجع الموارد وازدياد الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.
وتشير التجارب السابقة إلى أن الأزمات المالية المتكررة لا تؤثر فقط على أداء المؤسسات الرسمية، بل تمتد آثارها إلى مجمل الواقع الاقتصادي والاجتماعي، بما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار الداخلي ومستويات الثقة بالمؤسسات العامة.
خيارات وتوصيات للسلطة الفلسطينية
في ضوء هذه المستجدات، تبدو الحاجة ملحة إلى تبني استراتيجية فلسطينية شاملة للتعامل مع ملف أموال المقاصة تتجاوز إدارة الأزمة الآنية نحو بناء مقومات صمود اقتصادي ومالي أكثر استدامة، ويمكن تلخيص أبرز التوصيات فيما يلي:
أولاً: تكثيف التحرك القانوني والدبلوماسي على المستويات الدولية لإبراز الآثار المترتبة على الاقتطاعات الأحادية، والعمل على حشد دعم دولي يضمن احترام الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة.
ثانياً: إطلاق مراجعة شاملة للسياسات المالية العامة بهدف تعزيز الإيرادات المحلية، وتوسيع القاعدة الضريبية بصورة عادلة، والحد من الهدر المالي، وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة.
ثالثاً: تسريع برامج الانفكاك الاقتصادي التدريجي عن الاقتصاد الإسرائيلي من خلال دعم الإنتاج الوطني والقطاعات الزراعية والصناعية والطاقة البديلة، وتقليل الاعتماد على السوق الإسرائيلية.
رابعاً: وضع خطة وطنية لإدارة الأزمات المالية تتضمن أولويات الإنفاق، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، وحماية الفئات الأكثر تضرراً من الأوضاع الاقتصادية.
خامساً: تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع المصرفي لإيجاد حلول مبتكرة تساهم في تخفيف آثار الأزمات المالية المتكررة.
سادساً: العمل على توحيد الجهود الوطنية وتعزيز الاستقرار السياسي والمؤسسي باعتباره عاملاً أساسياً في مواجهة التحديات الاقتصادية الخارجية.
خاتمة
يمثل القانون الإسرائيلي الجديد محطة إضافية في مسار الضغوط الاقتصادية المتصاعدة على السلطة الفلسطينية، ويعكس تعقيدات العلاقة المالية والسياسية بين الجانبين. وبينما تستمر الخلافات القانونية حول مشروعية هذه الإجراءات، فإن التحدي الأكبر يكمن في قدرة الفلسطينيين على بناء استراتيجية اقتصادية ومالية أكثر قدرة على الصمود، بما يحفظ استمرارية المؤسسات الوطنية ويعزز مقومات الاستقرار والتنمية في مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.
إن التعامل مع هذه التطورات لا ينبغي أن يقتصر على ردود الفعل الآنية، بل يتطلب رؤية استراتيجية شاملة تستند إلى الإصلاح الاقتصادي وتعزيز الاعتماد على الذات وتفعيل أدوات القانون والدبلوماسية الدولية لحماية الحقوق المالية الفلسطينية.



