شهادات النازحين… حين تتحول الذاكرة الفلسطينية إلى وثيقة لا تموت.. بقلم: شريف الهركلي

في الحروب، قد تسقط المدن وتتبدل الخرائط وتختفي المعالم، لكن الذاكرة تبقى الحصن الأخير الذي يحفظ هوية الشعوب من الضياع. ومن هذا المنطلق، يأتي كتاب “شهادات النازحين… حكايات لن تكتمل” ليؤدي دورًا يتجاوز حدود التأليف التقليدي، ليصبح مشروعًا وطنيًا وإنسانيًا يوثق واحدة من أكثر المراحل قسوة في التاريخ الفلسطيني المعاصر.
صدر الجزء الثاني من الكتاب برعاية مؤسسة معهد بيت الحكمة في غزة، بإعداد وتنظيم الأكاديمي والمفكر الفلسطيني الدكتور أحمد يوسف، وطُبع في دار النشر التابعة لمكتبة سمير منصور، كما جرى توزيعه في عدد من الدول العربية، ليحمل الرواية الفلسطينية إلى فضاءات أوسع، ويمنح العالم فرصة الاستماع إلى أصوات الناجين من قلب المأساة.
يضم الكتاب أربعين شهادة حية لنازحين من قطاع غزة، ينتمون إلى خلفيات اجتماعية وأكاديمية وإعلامية وسياسية مختلفة، اجتمعت أصواتهم على قيثارة واحدة تعزف لحن الألم الفلسطيني، وتسرد تفاصيل حياة فرضت عليها الحرب أن تعيش بين النزوح والفقد والانتظار.
ويقع الكتاب في 358 صفحة من الحجم المتوسط، ويتصدره غلاف فني يجسد ألوان العذاب الفلسطيني، فيما تحمل صفحاته تفاصيل ثقيلة عاشها أصحاب الشهادات بين الركام وغبار الحرب وروائح الدمار الخانقة، وأصوات القذائف المدوية وأضوائها المخيفة.
إن قيمة هذا الكتاب لا تكمن فقط في توثيق الألم، بل في حماية الذاكرة الفلسطينية من التآكل والنسيان. فكل شهادة فيه تمثل جزءًا من تاريخ شعب يرفض أن تتحول مأساته إلى مجرد أرقام عابرة في نشرات الأخبار.
يروي النازحون رحلة النزوح القسري التي أبعدتهم عن بيوتهم وذكرياتهم، فعانقوا الجوع والبرد القارس والحر الحارق، بينما ضاعت ملامح المدن بين الركام وضاعت خرائط الشوارع، وتحولت أحياء بأكملها إلى مشاهد صامتة تختزن آلاف الحكايات المؤجلة.
هذه الحكايات لم تكتمل بعد، لأن الحرب ما زالت مستمرة، وما زالت تحصد أرواح الأطفال والشباب والنساء والشيوخ، تاركة خلفها مزيدًا من الدمار والفقد والوجع الإنساني.
ولن تكون هذه الشهادات من وحي الخيال، بل هي واقع موثق يكشف ملامح النكبة الفلسطينية المعاصرة، حيث مُسحت عائلات بأكملها من السجلات المدنية، وبقي طفل أو امرأة يواجهان وحدهما قسوة الحياة وثقل الأحزان.
لقد تحجرت الدموع في محاجر العيون، وترك الفلسطينيون البكاء لقلوبهم المتعبة، بينما استمرت الحياة في امتحان صعب عنوانه الصمود والبقاء.
ويأتي هذا العمل ليؤكد أن التوثيق ليس ترفًا ثقافيًا، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية، لأن الأمم التي تكتب روايتها بنفسها تحفظ حقها في الوجود، وتصون ذاكرتها من التزييف والنسيان.
ويبرز دور الدكتور أحمد يوسف، الأكاديمي والمفكر والكاتب الفلسطيني، والأمين العام لمؤسسة معهد بيت الحكمة للاستشارات وحل النزاعات، بوصفه أحد المساهمين في ترسيخ ثقافة التوثيق الوطني، عبر العديد من المؤلفات الإنسانية والسياسية التي أغنت المكتبات الفلسطينية والعربية والأجنبية، وطُبعت بعدة لغات حول العالم.
إن “شهادات النازحين… حكايات لن تكتمل” ليست مجرد كتاب، بل صرخة إنسانية مدوية لشعب يقول للعالم: نريد وطنًا نحيا فيه بعزة وكرامة، أو يموت فينا الألم قبل أن تموت أحلامنا.
إنها حكايات كُتبت بحبر الدموع المخلوط بالدم الفلسطيني، لتبقى شاهدًا على زمن عصيب أراد أن يكسر الإنسان الفلسطيني، لكنه وجد شعبًا يصر على أن يكتب حكايته بنفسه ويحفظ ذاكرته للأبد.
ومع استمرار الحرب، تتواصل فصول الحكاية الفلسطينية؛ إذ يجري العمل على إصدار الأجزاء الثالث والرابع والخامس، في تأكيد واضح على أن الرواية لم تنتهِ بعد، وأن الذاكرة الفلسطينية ما زالت تنبض بالحياة.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام العالم: متى تتوقف هذه الحكاية الثقيلة؟ ومتى يحظى الفلسطينيون بحقهم الطبيعي في أن يعيشوا، كبقية شعوب الأرض، بأمن وسلام وكرامة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com