ما بين إدارة البقاء وإدارة النمو: نجحت المؤسسة الصحية الحكومية في قطاع غزة في الاستمرار وتعثر التحول المؤسسي.

نضال احمد جابر جودة
في علم الإدارة، ثمة فرق جوهري بين المؤسسة التي تنجح في البقاء، والمؤسسة التي تنجح في النمو. فالبقاء يعني المحافظة على الحد الأدنى من القدرة التشغيلية واستمرارية تقديم الخدمة، أما النمو فيعني تطوير الأنظمة، وبناء القدرات، وتحسين جودة الأداء، وتعزيز القدرة المؤسسية على مواجهة المستقبل.
وعند قراءة واقع المؤسسة الصحية الحكومية في قطاع غزة خلال السنوات الماضية، يمكن ملاحظة نجاح واضح في إدارة البقاء والاستمرار، مقابل تعثر ملموس في مسار التحول المؤسسي الذي يفترض أن يقود إلى التطوير والاستدامة وتحسين جودة الخدمات الصحية. ولا يهدف هذا الطرح إلى التقليل من حجم الجهود المبذولة أو تجاهل الظروف الاستثنائية التي عملت في ظلها المنظومة الصحية، بقدر ما يسعى إلى قراءة الواقع من منظور إداري ومهني يضع الإنسان والمؤسسة وجودة الخدمة في قلب عملية التقييم.
لقد تمكنت المؤسسة الصحية الحكومية من المحافظة على استمرارية تقديم الخدمات الأساسية رغم التحديات المتراكمة. واستمرت المستشفيات والمراكز الصحية والأقسام الإدارية والفنية في أداء وظائفها بدرجات متفاوتة من الكفاءة. إلا أن هذا النجاح ارتبط بصورة أساسية بإدارة الأزمات وإدارة النقص وإدارة الأولويات العاجلة، بينما بقيت العديد من الملفات المرتبطة بالتطوير المؤسسي في دائرة التأجيل أو المعالجة الجزئية. فالمؤسسات لا تقاس فقط بقدرتها على الاستمرار، وإنما بقدرتها على تحويل الخبرة المتراكمة إلى سياسات، وتحويل التحديات إلى فرص تطوير، وتحويل الجهد الفردي إلى إنجاز مؤسسي مستدام.
ويظل المريض الغاية الأساسية لأي مؤسسة صحية. إلا أن المريض وأسرته لا يقيمان المؤسسة من خلال اللوائح والتعليمات والإجراءات الإدارية، بل من خلال تجربتهما المباشرة معها. فالمريض الذي ينتظر موعداً للعلاج، أو يبحث عن سرير في المستشفى، أو يلاحق استكمال إجراء إداري، يعيش حالة إنسانية مختلفة تماماً عن التقارير والمؤشرات الإدارية. وفي كثير من الأحيان يشعر المرضى وأسرهم بأنهم يتحركون داخل منظومة منهكة تحاول الاستمرار أكثر مما تحاول التطور. وهو شعور لا يرتبط فقط بتوفر الموارد، بل بمدى قدرة المؤسسة على تبسيط الإجراءات، وتحسين التواصل، وتعزيز تجربة المستفيد، وتوفير بيئة أكثر إنسانية في التعامل مع احتياجات المرضى. فجودة الخدمة الصحية لا تقاس فقط بالنتيجة العلاجية، وإنما أيضاً بدرجة الكرامة والاحترام والوضوح التي يشعر بها المريض أثناء رحلته العلاجية.
وفي المقابل، لا يمكن الحديث عن جودة الأداء المؤسسي دون التوقف أمام واقع العاملين في المؤسسة الصحية. فمن أبرز التحديات الإدارية التي واجهتها المنظومة الصحية خلال السنوات الأخيرة حالة الجمود الوظيفي التي طالت شريحة واسعة من الموظفين، خاصة في المستويات التشغيلية والوسطى. فالكثير منهم واصل أداء مهامه اليومية في ظروف استثنائية وضغوط متزايدة دون أن تتوفر أمامه فرص حقيقية للتطور المهني أو التقدم الوظيفي أو المشاركة الفاعلة في صناعة القرار.
وقد أفرزت التحولات التي شهدها القطاع الصحي، وما رافقها من برامج إعارة أو انتقال إلى مؤسسات بديلة أو إحلالية، واقعاً مهنياً جديداً أتاح الفرصة لبعض العاملين للانتقال إلى مسارات وظيفية مختلفة، بينما بقيت فئات أخرى تمارس أدوارها داخل المؤسسة ذاتها دون أن تشهد تحولاً مماثلاً في واقعها المهني أو الوظيفي. ولا تكمن الإشكالية في حصول بعض الموظفين على فرص جديدة، وإنما في تنامي شعور لدى بعض الكفاءات بأن منظومة التطوير والترقي لم تعد تسير بوتيرة متوازنة أو متاحة للجميع بالقدر نفسه. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الشعور إلى حالة من الإحباط المهني الصامت، تتراجع معها المبادرات الفردية ويضعف الانتماء التنظيمي وتتآكل الحوافز المرتبطة بالإبداع والتطوير.
وتكمن خطورة هذا الواقع في أن الفئات الوظيفية الدنيا والوسطى تمثل في الحقيقة القلب التشغيلي للمؤسسة الصحية. فهي التي تستقبل المرضى، وتدير الملفات، وتتابع الإجراءات، وتشغل الأقسام، وتنفذ السياسات على أرض الواقع. وعندما تشعر هذه الفئات بأن أفقها المهني أصبح محدوداً، فإن المؤسسة قد تستمر في أداء وظائفها الأساسية، لكنها تفقد تدريجياً قدرتها على التجديد والتحسين والتطوير.
ومن منظور إداري بحت، فإن جزءاً من التحديات التي تواجه المؤسسة الصحية الحكومية لا يرتبط فقط بالعوامل الخارجية، وإنما يرتبط أيضاً بجملة من الإخفاقات المؤسسية التي تستحق المراجعة والتقييم. فمحدودية التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، وضعف الاستثمار المنظم في الموارد البشرية، وغياب المسارات الوظيفية الواضحة، ومحدودية مشاركة العاملين في صناعة القرار، وضعف الربط بين تقييم الأداء والنتائج الفعلية، كلها عوامل أسهمت في إبطاء عملية التحول المؤسسي. كما أن الاعتماد المستمر على إدارة الأزمات بوصفها نمطاً دائماً للعمل أدى إلى تراجع الاهتمام بمفاهيم التطوير المؤسسي وإدارة المعرفة والتحسين المستمر.
إن معالجة هذه الإشكاليات لا تتطلب بالضرورة موارد مالية استثنائية، بل تتطلب قبل ذلك رؤية إدارية واضحة تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه محور العملية الصحية، سواء كان مريضاً يتطلع إلى خدمة أكثر جودة وكرامة، أو موظفاً يبحث عن بيئة عمل عادلة تمنحه الفرصة للنمو والمشاركة والتأثير.
لقد أثبتت المؤسسة الصحية الحكومية قدرتها على الاستمرار، وهو إنجاز لا يمكن إنكاره أو التقليل من أهميته. غير أن المرحلة المقبلة تفرض سؤالاً أكثر عمقاً من سؤال البقاء؛ وهو سؤال النمو. فالمؤسسات التي تكتفي بالحفاظ على وجودها تظل أسيرة الحاضر، أما المؤسسات التي تستثمر في مواردها البشرية، وتطور أنظمتها، وتحسن جودة خدماتها، وتبني الثقة مع العاملين والمستفيدين، فهي وحدها القادرة على صناعة المستقبل.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه المؤسسة الصحية الحكومية في قطاع غزة لا يتمثل في كيفية الاستمرار فقط، بل في كيفية الانتقال من إدارة البقاء إلى إدارة النمو، ومن المحافظة على الخدمة إلى تطويرها، ومن استنزاف الطاقات البشرية إلى الاستثمار فيها، ومن التعامل مع الأزمات باعتبارها قدراً دائماً إلى التعامل معها باعتبارها فرصة لإعادة البناء المؤسسي. فالمؤسسات لا تُقاس فقط بقدرتها على البقاء، وإنما بقدرتها على أن تصبح أفضل مما كانت عليه، وأن تمنح المرضى أملاً أكبر، والعاملين مستقبلاً أكثر وضوحاً، والمجتمع خدمة صحية أكثر جودة واستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com