التهجير القسري لغزة: جريمة دولية تتجدد في الخطاب الإسرائيلي وتختبر مصداقية النظام الدولي.. بقلم: المحامي علي أبو حبلة

في الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات الدولية لإنهاء الحرب على غزة، وإطلاق عملية سياسية تفضي إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، عاد ملف تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى واجهة النقاش داخل المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، وفق ما كشفته صحيفة “هآرتس” العبرية عن اجتماع طارئ ضم ممثلين عن الجيش الإسرائيلي و”الموساد” و”الشاباك” ومجلس الأمن القومي لبحث إمكانيات دفع الفلسطينيين إلى مغادرة القطاع.
ورغم اعتراف ممثلي “الموساد” خلال الاجتماع بعدم وجود أي دولة مستعدة لاستقبال سكان غزة، وأن تنفيذ مثل هذه الخطوة يتطلب ترتيبات دولية معقدة وغير متوفرة حالياً، فإن مجرد إعادة طرح هذا الملف يحمل دلالات سياسية وقانونية واستراتيجية بالغة الخطورة، لأنه يعكس استمرار التفكير الإسرائيلي في إيجاد حلول ديموغرافية للصراع بدلاً من معالجة جذوره السياسية والقانونية.
إن ما يثير القلق ليس فقط إمكانية تنفيذ مشروع التهجير، بل استمرار وجوده كخيار مطروح داخل دوائر صنع القرار الإسرائيلي، رغم ما يمثله من انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني ولقواعد النظام الدولي التي نشأت عقب الحرب العالمية الثانية لمنع تكرار جرائم الترحيل الجماعي والتطهير العرقي.
فالقانون الدولي لا يترك مجالاً للالتباس في هذه المسألة. إذ تنص المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على حظر النقل القسري الفردي أو الجماعي للأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة، كما تحظر ترحيل السكان أو إبعادهم لأي سبب كان، باستثناء حالات الإخلاء المؤقت التي تفرضها ضرورات أمنية ملحة ومحدودة زمنياً.
كما يعتبر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أن الترحيل أو النقل القسري للسكان يشكل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية عندما يتم بصورة واسعة النطاق أو منهجية ضد المدنيين.
ولا يقف الأمر عند حدود النصوص القانونية، بل إن المجتمع الدولي سبق أن عبّر بصورة واضحة عن رفضه لأي محاولات تستهدف تغيير التركيبة السكانية للأراضي الفلسطينية المحتلة. فقد أكد مجلس الأمن الدولي في القرار 2334 لعام 2016 عدم شرعية الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير الواقع الديموغرافي أو الجغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.
كما شددت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العديد من قراراتها المتعاقبة على حق الشعب الفلسطيني في البقاء على أرضه ورفض أي محاولات للترحيل أو التهجير القسري.
وتكتسب هذه المسألة بعداً قانونياً إضافياً في ضوء الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024 بشأن الآثار القانونية للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والذي أكد استمرار انطباق قواعد القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وضرورة إنهاء جميع الممارسات التي تمس بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
كما أن التدابير المؤقتة التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بشأن تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 شددت على ضرورة حماية المدنيين الفلسطينيين ومنع أي أفعال قد تؤدي إلى تدميرهم أو إلحاق أذى جسيم بهم أو فرض ظروف معيشية تؤدي إلى تقويض وجودهم.
ومن هنا، فإن إعادة طرح ملف التهجير لا يمكن فصلها عن الواقع الإنساني الكارثي الذي يعيشه قطاع غزة نتيجة الدمار الواسع للبنية التحتية والمنازل والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء. فالقانون الدولي لا يجرّم فقط التهجير المباشر بالقوة العسكرية، بل يجرّم أيضاً خلق ظروف معيشية قسرية تدفع السكان إلى مغادرة أراضيهم تحت ضغط الجوع أو الخوف أو انعدام مقومات الحياة.
والأخطر أن بعض الأوساط الإسرائيلية باتت تتحدث عن “الهجرة الطوعية”، في محاولة لإضفاء شرعية قانونية على عملية نزوح تتم في ظل ظروف حرب وحصار ودمار شامل. غير أن الفقه القانوني الدولي يعتبر أن أي مغادرة للسكان تتم تحت وطأة الإكراه المادي أو النفسي أو الاقتصادي لا يمكن اعتبارها طوعية، بل تندرج ضمن مفهوم النقل القسري المحظور دولياً.
سياسياً، تكشف هذه التسريبات حجم المأزق الذي تواجهه إسرائيل في مرحلة ما بعد الحرب. فبعد أشهر طويلة من العمليات العسكرية، لم تتمكن من فرض صيغة حكم بديلة في غزة، ولم تنجح في تحقيق استقرار أمني مستدام، كما لم تحصل على غطاء دولي يسمح بإعادة رسم الخريطة الديموغرافية للقطاع.
ولذلك يبدو أن إعادة إحياء ملف التهجير لا تعكس وجود خطة قابلة للتنفيذ بقدر ما تعكس أزمة استراتيجية داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها، ومحاولة البحث عن بدائل للهروب من استحقاقات الحل السياسي القائم على إنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
إن القضية اليوم لم تعد مجرد نقاش حول مستقبل غزة، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمصداقية النظام الدولي بأسره. فإذا كان المجتمع الدولي قد أسس منظومة قانونية كاملة بعد الحرب العالمية الثانية لمنع التهجير والتطهير العرقي، فإن صمته أو عجزه عن مواجهة مثل هذه الطروحات سيعني عملياً تقويض الأسس التي قام عليها القانون الدولي المعاصر.
ويبقى الثابت الذي أكدته التجارب التاريخية أن الشعوب لا تتخلى عن أوطانها بإرادتها، وأن الفلسطيني الذي صمد على أرضه طوال عقود من الاحتلال والحروب والتهجير لن يقبل أن تتحول المأساة الإنسانية التي يعيشها اليوم إلى بوابة لتصفية قضيته الوطنية أو انتزاعه من أرضه مرة أخرى.
إن المطلوب اليوم ليس البحث عن دول تستقبل الفلسطينيين، بل إلزام إسرائيل باحترام القانون الدولي، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ووقف الحرب، ورفع الحصار، وإطلاق عملية سياسية جادة تعالج جذور الصراع، لأن السلام لا يصنعه التهجير، وإنما تصنعه العدالة واحترام حقوق الشعوب في الحرية وتقرير المصير.
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة



