إثيوبيا من المجاعة إلى الاكتفاء الذاتي… هل يستعيد العرب سيادتهم الغذائية؟

الأمن الغذائي لم يعد قضية زراعية، بل عنواناً لاستقلال القرار الوطني في عالم تحكمه المصالح والصراعات الدولية.

بقلم: شريف الهركلي

في زمن الحروب والأزمات الاقتصادية وتعطل سلاسل الإمداد العالمية، لم يعد الأمن الغذائي ملفاً زراعياً هامشياً، بل أصبح أحد أهم مقومات السيادة الوطنية والاستقرار الاقتصادي. فالدول التي تنتج غذاءها تمتلك جزءاً كبيراً من قرارها السياسي، بينما تبقى الدول المعتمدة على الخارج أكثر عرضة لتقلبات الأسواق والضغوط الدولية.
تجربة إثيوبيا خلال السنوات الأخيرة تستحق التوقف عندها. فالدولة التي ارتبط اسمها لعقود طويلة بالمجاعة والجفاف، استطاعت أن تحقق طفرة لافتة في إنتاج القمح، بعدما وضعت الزراعة في قلب مشروعها التنموي الوطني، لتتحول من دولة تنتظر المساعدات إلى دولة تسعى إلى تأمين احتياجاتها الغذائية وتعزيز مكانتها الاقتصادية.
قد تختلف بعض التقديرات والأرقام بين المؤسسات الدولية والبيانات الحكومية، لكن الرسالة الأساسية تبقى واضحة؛ فالدول التي تستثمر في أرضها تستطيع أن تعيد رسم صورتها الاقتصادية وتبني جزءاً كبيراً من استقلالها المستقبلي.
إنها ليست قصة قمح فحسب، بل قصة إرادة سياسية ورؤية استراتيجية طويلة الأمد، استثمرت في الأرض والإنسان والتكنولوجيا الزراعية والبحث العلمي.
وفي المقابل، يفرض هذا التحول سؤالاً مشروعاً على العالم العربي: لماذا لا تزال دول عربية عديدة تعتمد بصورة كبيرة على استيراد جزء مهم من غذائها، رغم ما تمتلكه من إمكانات بشرية ومالية وجغرافية هائلة؟
المشكلة ليست في نقص الموارد بقدر ما تكمن في غياب التكامل والتخطيط طويل المدى. فبعض الدول العربية تمتلك أراضي زراعية واسعة، بينما تمتلك دول أخرى قدرات مالية ضخمة، كما تتوافر كفاءات علمية وبشرية قادرة على بناء منظومات إنتاج حديثة لو تم توظيفها ضمن رؤية عربية مشتركة.
لقد أثبتت الأزمات الدولية الأخيرة أن الغذاء أصبح جزءاً من معادلات القوة العالمية، وأن رغيف الخبز لم يعد مجرد سلعة استهلاكية، بل تحول إلى عنصر أساسي في الأمن القومي للدول.
وهنا تكمن الإشكالية الأكبر؛ فهناك دول مستقلة سياسياً وتحمل كل رموز السيادة، لكنها لا تزال تواجه تحديات كبيرة في تحقيق استقلالها الاقتصادي، الأمر الذي يجعل قرارها الوطني أكثر عرضة لتأثيرات الأسواق العالمية والنفوذ الدولي وتشابك المصالح الجيوسياسية.
إن أخطر أنواع التبعية ليست العسكرية، بل التبعية الاقتصادية التي تجعل الدول تنتظر السفن القادمة من الخارج لتأمين احتياجات شعوبها الأساسية، بينما تبقى أراضيها ومواردها غير مستثمرة بالشكل الذي يحقق مصالحها الوطنية.
وليس المطلوب أن تتحول كل دولة عربية إلى قوة زراعية كبرى، فلكل دولة ظروفها ومواردها المختلفة، لكن المطلوب بناء استراتيجية عربية متكاملة للأمن الغذائي، تقوم على استثمار الأراضي، وتطوير أنظمة الري الحديثة، وتعزيز البحث العلمي، وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في خدمة القطاع الزراعي.
لقد أثبتت تجارب عديدة حول العالم أن النهضة الزراعية ليست حلماً مستحيلاً، بل قراراً سيادياً يبدأ من الإيمان بأن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، وإنما مشروع حياة ومستقبل للأجيال القادمة.
لقد نجحت إثيوبيا في التحرر من صورة الماضي، وأرسلت رسالة مهمة إلى العالم مفادها أن الدول لا تُقاس بتاريخها، بل بقدرتها على صناعة مستقبلها.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يوقظ ضميرنا العربي: هل آن الأوان أن ننتقل من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول؟
فالأمم التي تزرع أرضها تحصد سيادتها، أما الأمم التي تؤجل الاستثمار في أمنها الغذائي، فإنها تؤجل معها جزءاً من استقلالها وقرارها الوطني. فالرغيف ليس مجرد طعام، بل هو عنوان للحرية وكرامة الأوطان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com