الرجل يبقى طفلًا…

ما دامت أمه على قيد الحياة…
ففي قلبه دائمًا مكانٌ يعود إليه،
وصدرٌ حنونٌ
يضمه إذا ضاقت به الدنيا.
فإذا رحلت…
بدأ شيءٌ فيه يشيخ،
ولو كان في ريعان العمر.
بعدها
لن يجد يدًا تمسح عن روحه تعب الأيام،
ولا عينين تفرحان به كما هو،
دون شرطٍ أو مقابل.
يرحل الناس من حوله،
فيحتمل…
لكن رحيل الأم ليس غياب شخص،
بل غياب وطنٍ كامل.
ومنذ ذلك اليوم،
يتعلم أن يخفي وجعه،
ويبتسم
وفي القلب فراغٌ لا يملؤه أحد.
رحم الله الأمهات أحياءً وأمواتًا،
وأدام نعمة وجودهن
على من لا تزال أمه إلى جواره،
فما عرف القلب دفئًا أصدق من دعائها،
ولا وجد الإنسان حضنًا أأمن من حضنها.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
28/6/2026 م

قراءة أدبية
الأم… الوطن الذي لا يُعوَّض
للدكتور عبد الرحيم جاموس


قراءة بقلم:د. عادل جوده. من العراق.

ليس هذا النص حديثًا عن الأم بوصفها علاقةً عائلية فحسب، بل هو تأملٌ إنساني عميق في أكثر الروابط نقاءً وثباتًا في حياة الإنسان.
إنه يرسم صورة الرجل من الداخل، لا كما يراه الناس في صلابته وهيبته، بل كما يكون في أعماقه طفلًا يحمل في قلبه يقينًا خفيًا بأن هناك امرأةً واحدةً تستطيع أن ترى ضعفه دون أن تنتقص من كرامته، وأن تضمَّ وجعه دون أن تطلب منه تفسيرًا، وأن تمنحه الأمان لمجرد أنه ابنها.

تتجلى قوة النص في بساطته الآسرة؛ فهو لا يعتمد على الزخارف البلاغية المتكلفة، وإنما يستند إلى صدق التجربة وحرارة الشعور.
لذلك تصل عباراته إلى القلب مباشرة، وكأنها تستدعي ذكرياتٍ مشتركة يسكنها كل إنسان عرف معنى الأم، أو ذاق مرارة فقدها.
ومن هنا تتحول الكلمات إلى مرايا يرى القارئ فيها شيئًا من حياته، لا مجرد أفكار يقرؤها.

وتأتي العبارة: “الرجل يبقى طفلًا ما دامت أمه على قيد الحياة” بوصفها مفتاح النص كله.
فهي لا تنتقص من رجولة الرجل، بل تمنحها بعدًا إنسانيًا أكثر عمقًا، إذ تؤكد أن القوة الحقيقية لا تلغي الحاجة إلى الحنان، وأن أكثر الرجال صلابةً يحتفظ في داخله بمساحة لا يملؤها سوى دفء الأم وطمأنينتها. فوجودها ليس مجرد حضور جسدي، بل شعور دائم بأن العالم، مهما اشتد، لا يزال يحتفظ بمكان آمن يمكن العودة إليه.

ثم يبلغ النص ذروة تأثيره حين ينتقل من الحديث عن الحياة إلى الحديث عن الفقد، فيصف رحيل الأم بأنه غياب وطنٍ كامل.

وهذه الصورة من أصدق الصور الأدبية وأكثرها وجعًا؛ لأن الوطن ليس مكانًا فحسب، بل هو هوية وانتماء وأمان وذاكرة. وحين تُشبَّه الأم بالوطن، فإن الكاتب يختصر في استعارة واحدة كل المعاني التي يعجز الوصف المباشر عن احتوائها، فيجعل الفقد حدثًا يعيد تشكيل الإنسان من الداخل، ويترك في روحه فراغًا لا تسده الأيام ولا يعوضه أحد.

ويحسن الكاتب أيضًا في تصوير ما بعد الفقد؛ فلا يلجأ إلى الصراخ أو المبالغة، بل يختار لغةً هادئةً يختبئ فيها الألم خلف الابتسامة، وكأن الإنسان بعد رحيل أمه يتقن فنَّ التعايش مع الغياب، لا لأنه تجاوزه، بل لأنه أدرك أن بعض الأحزان لا تُشفى، وإنما تُحمل بصمت حتى آخر العمر.

ويختتم النص بدعاءٍ للأمهات، فيتحول من التأمل الفردي إلى رسالة إنسانية عامة، تذكّر الأحياء بقيمة النعمة قبل زوالها، وتدعو بالرحمة لمن رحلن وقد تركن في القلوب أثرًا لا يمحوه الزمن.
وهنا يكتسب النص بعدًا أخلاقيًا وروحيًا، فلا يكتفي بإثارة العاطفة، بل يحث القارئ على الامتنان والبر، واستثمار لحظات القرب قبل أن تصبح ذكرى.

إنه نص يلامس الوجدان بصدق، ويؤكد أن الأم ليست فصلًا في سيرة الإنسان، بل هي السيرة كلها في أنقى معانيها؛ هي الدعاء الذي يسبق الخطى، والطمأنينة التي تسبق النوم، واليد التي ترفع الإنسان كلما أثقلته الحياة. وإذا كان لكل إنسان وطنٌ يسكنه، فإن الأم هي الوطن الوحيد الذي يسكن الإنسان نفسه، فإذا غابت، بقي يحملها في ذاكرته، ويبحث في كل وجوه الدنيا عن شيءٍ من دفئها، فلا يجد لها بديلًا، لأنها النعمة التي لا تتكرر، والحب الذي لا يشبهه حب، والغياب الذي لا يعتاده القلب مهما امتد به العمر.
رحم الله الأمهات أحياءً وأمواتًا، وجزى كل أم عن عطائها خير الجزاء.
تحياتي واحترامي 🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com