غرفة العمليات الوطنية… من يكتب وصفة التعافي؟.. بقلم: شريف الهركلي

بعد أن شخّصنا المرض، وسألنا عن الجراح الماهر والمشرط الوطني، لم يعد مقبولًا أن نبقى في دائرة الأسئلة. فكل تأخير في بدء العلاج يمنح المرض فرصة جديدة للانتشار، ويضاعف كلفة الإصلاح. لقد حان الوقت للانتقال من التشخيص إلى الفعل، ومن الشكوى إلى صناعة الحل.
إن الوطن اليوم لا يحتاج إلى خطابات جديدة بقدر حاجته إلى غرفة عمليات وطنية تُدار بعقل الدولة، وحكمة القيادات، وخبرة أصحاب الكفاءة، وطاقة الشباب. غرفة عمليات تضع خطة واضحة للتعافي، تقوم على الشفافية والمساءلة والشراكة الوطنية، لا على ردود الأفعال أو إدارة الأزمات.
لكن من يكتب وصفة التعافي؟
هل تكتبها القيادات وحدها؟ أم الشباب وحدهم؟ أم أصحاب الخبرة وحدهم؟
الحقيقة أن وصفة التعافي لا يكتبها طرف واحد، بل تكتبها الإرادة الوطنية الجامعة. فالإصلاح الحقيقي لا يولد من الإقصاء، بل من الشراكة، ولا يقوم على تصفية الحسابات، بل على تصحيح المسار، ووضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
إن أول بند في وصفة العلاج هو الاعتراف بالأخطاء، لأن الإنكار يطيل عمر الأزمات. أما البند الثاني فهو المحاسبة العادلة، فلا إصلاح بلا مساءلة، ولا ثقة بلا عدالة، ولا مستقبل لمؤسسات تغيب عنها الشفافية.
أما البند الثالث، فهو إعادة الاعتبار للكفاءة. فالمؤسسات لا تنهض إلا عندما يتقدم أصحاب الخبرة والعلم والنزاهة إلى مواقع المسؤولية، بعيدًا عن المحاباة والمصالح الضيقة، فالكفاءة ليست امتيازًا، بل حق للوطن.
ويبقى الشباب العنصر الأهم في أي مشروع إصلاحي. شبابنا شركاؤنا، وليسوا مجرد جمهور ينتظر التعليمات أو يصفق للقرارات. إنهم طاقة الوطن المتجددة، وعقول المستقبل، ومن حقهم أن يكونوا شركاء في صناعة القرار، لا متفرجين على صناعة مستقبلهم. فالوطن الذي يستثمر في شبابه يضمن استمراره، أما الوطن الذي يهمشهم فإنه يفتح أبواب الهجرة والإحباط وخسارة العقول.
ولا يمكن لغرفة العمليات الوطنية أن تنجح إذا بقيت أبواب الحوار مغلقة. فالحوار الصادق بين جميع القوى والتنظيمات الوطنية ليس ترفًا سياسيًا، بل هو أحد أدوات العلاج، لأنه يبني الثقة، ويقرب وجهات النظر، ويحول الاختلاف إلى مصدر قوة بدلاً من أن يكون سببًا للانقسام.
كما أن الإصلاح لا يقتصر على تنظيم دون آخر، فكل القوى الوطنية مطالبة اليوم بأن تُجري مراجعة صادقة لتجربتها، وأن تعترف بمواطن القوة كما تعترف بمواطن الخلل. فالوطن لا يحتمل أن يبقى كل طرف منشغلًا بتشخيص أخطاء الآخرين، بينما يغفل عن إصلاح بيته الداخلي.
ولا يجوز أن يبقى المواطن مجرد متفرج على غرفة العمليات، بل هو شريك في حماية المشروع الوطني، وصاحب مصلحة في نجاح الإصلاح، لأن قوة المؤسسات تنعكس على حياة الناس ومستقبل أبنائهم.
إن وصفة التعافي ليست وثيقة تُكتب على الورق، بل ثقافة تُترجم إلى قرارات، وسلوك يُمارس يوميًا، وإرادة ترفض الاستسلام للأمر الواقع. فالأوطان لا تتعافى بالشعارات، بل بالإدارة الرشيدة، والعدالة، والكفاءة، واحترام الإنسان.
لقد تعب الجسد الوطني من كثرة المسكنات، وانتظر طويلًا الجراح، واليوم ينتظر أن تبدأ العملية، وأن تتكاتف كل الأيدي لإنجاحها، لأن الفشل لم يعد خيارًا، وتأجيل العلاج لم يعد ممكنًا.
إن التاريخ لا يخلد الذين شخصوا الأمراض فقط، بل يخلد أيضًا الذين امتلكوا شجاعة العلاج، وتحملوا مسؤولية القرار، ووضعوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
فهل تفتح غرفة العمليات الوطنية أبوابها؟ وهل تُكتب وصفة التعافي بإرادة صادقة، أم يبقى الوطن ينتظر موعدًا جديدًا مع الإصلاح؟
يتبع…
المقال الرابع: “مرحلة التأهيل الوطني… كيف نمنع عودة المرض؟”
سنناقش فيه: كيف نحافظ على نجاح الإصلاح؟ وكيف نبني مؤسسات قوية قادرة على منع عودة أخطاء الماضي؟ وما دور الثقافة التنظيمية، والرقابة، والتقييم المستمر في حماية الجسد الوطني من الانتكاسة؟



