حين يتحدث الأرشيف… ماذا يقول للعالم اليوم؟

الوثائق البريطانية شاهدة على التاريخ… فهل آن أوان إنصاف الشعب الفلسطيني؟
قراءة سياسية واستراتيجية وتاريخية في ضوء الوثائق التي رُفع عنها السرية
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
ليست قيمة الوثائق التاريخية في أنها تعيد سرد الماضي، بل في قدرتها على تفسير الحاضر ورسم ملامح المستقبل. فالتاريخ، حين يستند إلى الوثائق الرسمية، يتحول من رواية قابلة للجدل إلى شهادة قانونية وسياسية وأخلاقية على ما جرى. ولهذا تكتسب الوثائق البريطانية التي رُفع عنها السرية أهمية استثنائية، لأنها صادرة عن الدولة التي حملت مسؤولية الانتداب على فلسطين، وكانت صاحبة القرار في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المنطقة.
وبعد مرور أكثر من سبعة وسبعين عاماً على النكبة، لم تعد هذه الوثائق مجرد مادة للباحثين والمؤرخين، بل أصبحت مرجعاً أساسياً لفهم جذور الصراع، وتحديد المسؤوليات التاريخية، واستشراف ما ينبغي أن يكون عليه الموقف الفلسطيني والعربي والدولي لإنصاف شعب ما زال يعيش تداعيات تلك المرحلة حتى اليوم.
لقد كشفت الوثائق، إلى جانب أرشيفات الأمم المتحدة والدراسات الإسرائيلية والغربية، أن النكبة لم تكن حادثة عابرة وقعت في الخامس عشر من أيار عام 1948، بل كانت مشروعاً سياسياً وعسكرياً بدأ قبل ذلك بسنوات، سبقته عمليات تخطيط استخباري دقيقة، وإعداد مؤسساتي وعسكري للحركة الصهيونية، وتزامن مع اختلال واضح في موازين القوى خلال فترة الانتداب البريطاني.
وتبين الوثائق أن التنظيمات الصهيونية لم تتحرك بعشوائية، وإنما بنت منذ عشرينيات القرن الماضي منظومة معلومات شاملة عن فلسطين، شملت القرى والطرق والمياه والأراضي والبنية الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما وفر لها تفوقاً استخباراتياً انعكس لاحقاً على سير العمليات العسكرية. كما تؤكد الوثائق أن السياسة البريطانية اتسمت بتناقضات عميقة، إذ لم تنجح في تحقيق التوازن الذي كان يفرضه عليها صك الانتداب، الأمر الذي أسهم في تكريس اختلال ميزان القوى عشية حرب 1948.
كما تكشف الوثائق أن تدمير مئات القرى الفلسطينية، والاستيلاء على الممتلكات، ومصادرة المكتبات والأرشيف الثقافي، لم يكن مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل ارتبط في كثير من الحالات بإعادة تشكيل الجغرافيا والذاكرة، بحيث يصبح تغييب الرواية الفلسطينية جزءاً من إعادة تشكيل الواقع السياسي والديموغرافي.
إن هذه الحقائق لا تعني أن التاريخ يمكن تغييره، لكنها تؤكد أن العدالة التاريخية لا تسقط بالتقادم، وأن الحقوق التي أقرتها قواعد القانون الدولي لا تزول بمرور الزمن أو بفرض الأمر الواقع.
من معركة الرواية إلى معركة الحقوق
لقد شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولاً مهماً في فهم القضية الفلسطينية. فبعد أن كان الصراع يُقدَّم باعتباره نزاعاً سياسياً بين طرفين، أصبحت قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي تنظر إليه من زاوية القانون الدولي وحقوق الإنسان، خاصة بعد صدور تقارير أممية وأحكام وآراء قانونية دولية أكدت عدم مشروعية الاحتلال والاستيطان وضرورة احترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
وهنا تكمن أهمية الوثائق التاريخية؛ فهي لم تعد مجرد إثبات لما وقع في الماضي، بل أصبحت جزءاً من الأدلة التي تعزز المطالبة بالحقوق الوطنية الفلسطينية أمام المحافل الدولية.
ماذا يفرض التاريخ على الفلسطينيين اليوم؟
إن قراءة التاريخ لا ينبغي أن تتحول إلى اجترار للمأساة، بل إلى مراجعة نقدية تستخلص الدروس. وأهم هذه الدروس أن الانقسام الوطني كان، وما يزال، أحد أخطر عوامل إضعاف المشروع الوطني الفلسطيني.
فلا يمكن مواجهة مشروع استيطاني منظم يمتلك رؤية طويلة الأمد، في ظل انقسام سياسي ومؤسساتي يبدد عناصر القوة الفلسطينية. ولذلك فإن الأولوية الوطنية اليوم تتمثل في استعادة الوحدة السياسية، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية على قاعدة الشراكة، وتعزيز منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وتجديد شرعياتها عبر آليات ديمقراطية وتوافقية، وبناء استراتيجية وطنية موحدة تجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني والشعبي.
كما أن المطلوب فلسطينياً هو الاستثمار في معركة الرواية والوثيقة، وتوثيق الجرائم والانتهاكات، وإنتاج خطاب قانوني وإعلامي قادر على مخاطبة العالم بلغة الأدلة لا بلغة الشعارات.
وماذا يفرض التاريخ على العرب؟
لقد أثبتت التجربة أن القضية الفلسطينية ليست قضية حدود فحسب، بل قضية استقرار إقليمي وأمن جماعي عربي. وكلما تراجعت مركزيتها، ازدادت المنطقة اضطراباً.
والمطلوب عربياً ليس الاكتفاء ببيانات التضامن، وإنما صياغة استراتيجية عربية موحدة تجعل تنفيذ قرارات الشرعية الدولية شرطاً لأي سلام دائم، مع تعزيز الدعم السياسي والاقتصادي والقانوني لصمود الشعب الفلسطيني، وحماية مدينة القدس، ورفض جميع الإجراءات الأحادية التي تستهدف تغيير هويتها أو وضعها القانوني.
وماذا يفرض التاريخ على المجتمع الدولي؟
إن المجتمع الدولي يقف اليوم أمام اختبار تاريخي وأخلاقي. فإذا كانت الوثائق قد كشفت مسؤوليات الماضي، فإن استمرار الاحتلال والاستيطان والحصار يضع العالم أمام مسؤولية الحاضر.
ولم يعد كافياً الاكتفاء بالتعبير عن القلق أو إصدار البيانات، بل المطلوب ترجمة مبادئ القانون الدولي إلى سياسات عملية، تضمن تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وإنهاء الاحتلال، وحماية المدنيين، ومساءلة مرتكبي الانتهاكات وفق قواعد العدالة الدولية، واحترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، بما ينسجم مع قرارات الشرعية الدولية ومبدأ حل الدولتين.
خاتمة
إن الوثائق البريطانية التي رُفع عنها السرية لا تعيد الفلسطينيين إلى أرضهم، لكنها تعيد الحقيقة إلى مكانها الصحيح. وهي تذكر العالم بأن القضية الفلسطينية لم تكن نتيجة صراع عابر، بل حصيلة سياسات دولية وقرارات تاريخية تركت آثارها على أجيال متعاقبة.
واليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود، لم يعد السؤال: ماذا جرى في فلسطين؟ فالوثائق تجيب عن جانب كبير من هذا السؤال. وإنما السؤال الحقيقي هو: هل يمتلك المجتمع الدولي الإرادة السياسية لتحويل المعرفة التاريخية إلى عدالة قانونية، والاعتراف بالحقوق إلى إجراءات ملزمة، والقرارات الدولية إلى واقع ينهي أطول احتلال عرفه العصر الحديث؟
إن إنصاف الشعب الفلسطيني لم يعد مطلباً سياسياً فحسب، بل أصبح اختباراً لمصداقية النظام الدولي نفسه. فإما أن تبقى الوثائق حبيسة الأرشيف، وإما أن تتحول إلى أساس لمصالحة التاريخ مع العدالة، ولإقامة سلام عادل وشامل يضمن الأمن والكرامة والحقوق لجميع شعوب المنطقة، بعيداً عن منطق القوة، وقريباً من منطق القانون والإنصاف.



