الحركة الحرة… هندسة إسرائيلية جديدة لتهجير الشعب الفلسطيني.. بقلم: شريف الهركلي

في السياسة، قد تتغير المصطلحات، لكن الأهداف غالباً ما تبقى ثابتة. وعندما يصبح مشروع ما مكلفاً أخلاقياً وقانونياً، يُعاد تقديمه بلغة أكثر نعومة وأقل إثارة للجدل. وهذا ما يبدو أن إسرائيل تحاول القيام به اليوم، باستبدال مصطلح “الهجرة الطوعية” بمسمى جديد هو “الحركة الحرة”.
وبحسب ما أوردته القناة 13 العبرية، عادت خطة تهجير سكان قطاع غزة إلى طاولة النقاش الإسرائيلي تحت هذا العنوان الجديد، في محاولة لتجاوز الانتقادات الدولية التي اعتبرت المشروع شكلاً من أشكال التهجير القسري المخالف للقانون الدولي.
لكن هل تغيّر الاسم، أم بقي المشروع كما هو؟
إن تغيير المصطلح يفتح الباب أمام عدة فرضيات سياسية. أولها، أن إسرائيل أدركت فشل تسويق مشروع “الهجرة الطوعية” بعد الرفض الدولي الواسع، فاختارت خطاباً جديداً يوحي بحرية الاختيار. وثانيها، أنها تحاول منح المشروع غطاءً سياسياً وقانونياً يخفف الضغوط الدولية، ويفتح الباب أمام إقناع بعض الدول باستقبال فلسطينيين من قطاع غزة تحت عنوان إنساني، بينما يبقى الهدف الحقيقي محل تساؤل ونقاش.
كما يثير هذا الطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها: هل تمثل “الحركة الحرة” جزءاً من ترتيبات اليوم التالي للحرب؟ وهل تسعى إسرائيل إلى إعادة رسم الواقع الديموغرافي في قطاع غزة بوسائل سياسية وإعلامية أكثر قبولاً؟ وهل يمكن اعتبار مغادرة السكان قراراً حراً في ظل الحرب والدمار والحصار وانعدام مقومات الحياة؟ وهل ينجح تغيير المصطلحات في تغيير جوهر المشروع؟
إن أي قراءة سياسية لهذا الطرح لا تنفصل عن سياق الحرب المستمرة، وما رافقها من تدمير واسع للبنية التحتية، ونزوح جماعي، وضغوط إنسانية غير مسبوقة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحديث عن “حرية الحركة” محل نقاش قانوني وأخلاقي، لأن حرية الاختيار تفترض وجود بيئة آمنة وإرادة مستقلة، لا واقعاً تفرضه الحرب.
لقد أثبت الفلسطيني، عبر عقود من الاحتلال والحروب، أن ارتباطه بأرضه ليس مجرد علاقة جغرافية، بل هوية وذاكرة وحق تاريخي لا تسقطه المسميات الجديدة.
إن تغيير المصطلحات لا يغيّر الحقائق، فالتاريخ يعلّمنا أن كثيراً من المشاريع السياسية تبدأ بلغة ناعمة، ثم تتحول إلى وقائع على الأرض. ويبقى الرهان الحقيقي على وعي المجتمع الدولي، وتمسك الفلسطيني بحقه في أرضه، وإدراك أن إعادة تسويق الفكرة لا تعني بالضرورة اكتسابها الشرعية.



