فازت مصر… واحتفلت غزة.. بقلم: حنفي أبو سعدة

لم تكن احتفالات وهتافات ليلة أمس في شوارع وخيام غزة المنكوبة، التي ترافقت مع انتهاء المباراة بين منتخبي مصر وأستراليا ضمن تصفيات كأس العالم، مجرد حدث رياضي، بل كانت رسالة عفوية وشعبية صادقة تخطّت كل حواجز المعاناة والبؤس التي رافقت مظاهر الحياة لدى الغزيين، وتجاوزت كل مشاهد التحريض التي شنّتها بعض الأنظمة والفضائيات على مصر.
رسائل قوية، بلغة الدبلوماسية الناعمة، أرسلتها الخيام والمخيمات والشوارع المدمرة، والشباب الذين بُترت أطرافهم وأحلامهم، إلى مصر ورئيسها وجيشها وشعبها، بعد انتشار صور تُظهر مشاهد الفرح والاحتفال من غزة الموءودة في وحل الحرب.
كيف لغزة، بعد ألف يوم من أبشع جريمة حرب شهدتها البشرية، ولا تزال مستمرة، أن تجد متسعًا من الوقت للفرح بفوز في مباراة؟!
هذا السؤال صحيح، لكن السؤال الأصح هو: لماذا كل هذا العشق الشعبي والفطري لمصر؟!
لا أعرف، ربما كان الجواب هو القطايف، أو مسرحية «العيال كبرت» التي نشاهدها وكأنها إحدى طقوس العيد، وربما فوانيس رمضان، أو أغاني الأفراح وحكيم، أو بسبب الصوت الملائكي للشيخ عبد الباسط عبد الصمد، أو أغاني الحب لعبد الحليم حافظ في أيام المراهقة، ودندنة المساء على الشاطئ مع الأصدقاء على أنغام أم كلثوم، وربما لأنها مصر وجيشها الذي ظل عصيًا على مؤامرة الربيع العربي، وربما أحمد زويل، أو مستشفى 57357، أو مجدي يعقوب، أو رأفت الهجان، أو كوميديا سمير غانم، أو ربما كل تلك الأسباب مجتمعة، أو غيرها.
لكن الأهم من كل ذلك هو البعد الوطني والسياسي في عشق مصر. فسياسيًا، يدرك شعبنا الفلسطيني، في غزة تحديدًا، أن مصر ليست مجرد شقيقة كبرى، كما اعتاد الرئيس الراحل ياسر عرفات أن يسميها، ولا مجرد جار نتشارك معه الحدود والمعابر، فما زال التراب الفلسطيني في غزة يضم رفات جنود الجيش المصري، ولا تزال مواقف مصر الداعمة حاضرة في وجدان الفلسطينيين.
غزة ليست بقعة خارج التاريخ، ولا خارج إطار الجغرافيا السياسية. غزة تدرك جيدًا وتحفظ المواقف، وتعرف من يدعمها ويساند نضالها، كما تعرف أيضًا من يستغلها ويتدخل في شؤونها خدمةً لأمريكا. ويدرك الفلسطينيون يقينًا أن مصر، في الوعي الجمعي لشعبنا، هي الحاضنة السياسية والبوصلة الوطنية التي لا تخطئ عقاربها. وكان ذلك حتى قبل نشأة منظمة التحرير الفلسطينية، حين أوصت الخارجية المصرية عام 1959 الرئيس جمال عبد الناصر بضرورة تأسيس كيان سياسي يمثل الشعب الفلسطيني ومطالبه المشروعة.
إن فوز مصر في المباراة، وإهداء مدرب المنتخب المصري، حسام حسن، هذا الفوز للشعبين المصري والفلسطيني، يؤكد من جديد عمق التوأمة الوطنية بين الشعبين.
فازت مصر، واحتفلت غزة، كما لو أنها أحد أحياء القاهرة القديمة، وكما لو أنها انتفضت في وجه كل محاولات كيِّ الوعي التي مارستها بعض الأنظمة وفضائياتها المدعومة لتشويه مصر والإساءة إلى مكانتها.
إذا بكت مصر، سال الدمع على خد غزة، وإذا غنّت مصر، رقصت غزة، وإذا تألمت مصر، عمَّ الوجع أوصال غزة.
مبارك لمصر فوزها، وشكرًا لجماهير غزة ورسائلها التي اخترقت كل الحدود.
كاتب ورسّام كاريكاتير



