مخطط الهدم الشامل في الضفة الغربية: هل يتحول التطهير العرقي إلى أداة لحسم الصراع وتصفية القضية الفلسطينية؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تشهد الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، تصعيدًا غير مسبوق في عمليات هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية، بالتزامن مع توسيع الاستيطان، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، وفرض قيود مشددة على الحركة، في مشهد يعكس انتقال الحكومة الإسرائيلية من سياسة إدارة الاحتلال إلى سياسة إعادة هندسة الواقع الديمغرافي والجغرافي بما يخدم مشروع الضم الفعلي.
ولم تعد عمليات الهدم تقتصر على استهداف المباني بحجة عدم الترخيص، بل أصبحت جزءًا من سياسة شاملة تستهدف تفريغ مساحات واسعة من الفلسطينيين، وخاصة في المناطق المصنفة (ج)، والأغوار الشمالية، ومسافر يطا، ومحيط القدس، إضافة إلى مخيمات شمال الضفة، وفي مقدمتها مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، التي تعرضت لعمليات عسكرية واسعة رافقها تدمير للبنية التحتية والمساكن وإجبار آلاف المواطنين على النزوح.
وتتزامن هذه السياسة مع تصريحات متكررة لوزير المالية الإسرائيلي ومسؤول ملف الاستيطان في وزارة الأمن، بتسلئيل سموتريتش، الذي يدعو إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وتسريع الاستيطان ومنع التوسع العمراني الفلسطيني، إلى جانب مواقف وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الداعية إلى تشديد الإجراءات ضد الفلسطينيين وتوسيع المشروع الاستيطاني. وتعكس هذه التصريحات توجهًا سياسيًا واضحًا داخل الحكومة الإسرائيلية نحو تغيير الواقع القانوني والديمغرافي في الأراضي المحتلة.
إن قراءة هذه السياسات بصورة متكاملة تكشف أنها لا تنفصل عن مشروع أوسع يهدف إلى تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، عبر تفتيت التجمعات السكانية الفلسطينية، وربط الكتل الاستيطانية بشبكة طرق وبنى تحتية دائمة، بما يحول الاحتلال المؤقت، وفق القانون الدولي، إلى واقع ضم دائم.
ويحمل هذا النهج أبعادًا قانونية بالغة الخطورة، إذ إن المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر النقل القسري للسكان المدنيين، كما تحظر نقل سكان الدولة المحتلة إلى الأراضي المحتلة، بينما تمنع المادة (53) تدمير الممتلكات الخاصة إلا في حالات الضرورة العسكرية القصوى. كما يؤكد قرار مجلس الأمن 2334 أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة لا تتمتع بأي شرعية قانونية وتشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.
كذلك، فإن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعتبر الترحيل القسري للسكان المدنيين والتدمير الواسع للممتلكات دون ضرورة عسكرية من الأفعال التي قد تندرج ضمن جرائم الحرب، وهو ما يفرض مسؤولية قانونية دولية تستوجب التحقيق والمساءلة.
ولم تعد آثار هذه السياسة تقتصر على الجانب الإنساني، بل باتت تهدد مجمل النظام السياسي الفلسطيني ومستقبل عملية السلام، إذ يؤدي استمرار الهدم والتوسع الاستيطاني إلى تقويض الأساس الجغرافي والقانوني لحل الدولتين، ويكرس واقعًا أحاديًا يقوم على السيطرة الدائمة وفرض الأمر الواقع بالقوة.
وفي الوقت نفسه، تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار هذه الإجراءات، بالتوازي مع ما تشهده غزة من حرب مدمرة، إلى خلق واقع جديد تصبح فيه عمليات التهجير وإعادة رسم الخريطة السكانية جزءًا من استراتيجية إسرائيلية شاملة لإعادة تشكيل القضية الفلسطينية برمتها.
وأمام هذه التطورات، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك دولي يتجاوز بيانات الإدانة، عبر تفعيل آليات المساءلة الدولية، ودعم التحقيقات الجارية أمام المحكمة الجنائية الدولية، وتوفير حماية دولية للمدنيين الفلسطينيين، وإلزام إسرائيل باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
كما تقع على عاتق الدول العربية والإسلامية مسؤولية بلورة استراتيجية سياسية ودبلوماسية موحدة، تستثمر الزخم الدولي المتزايد الداعي إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتحويل هذا الزخم إلى خطوات عملية توقف سياسة الاستيطان والهدم والضم، وتحافظ على فرص التسوية السياسية القائمة على قرارات الشرعية الدولية.
إن ما يجري اليوم في الضفة الغربية والقدس الشرقية لم يعد مجرد إجراءات إدارية أو أمنية، بل يمثل، في نظر كثير من الخبراء القانونيين والمنظمات الدولية، تحولًا خطيرًا نحو إعادة تشكيل الجغرافيا والسكان في الأراضي المحتلة بما يهدد الحقوق الوطنية الفلسطينية ويقوض النظام القانوني الدولي القائم على عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة.
ويبقى السؤال المطروح أمام المجتمع الدولي: هل سيكتفي بالمراقبة وإصدار بيانات القلق، أم أنه سيتخذ خطوات عملية تكفل حماية القانون الدولي، وتمنع تكريس واقع قد يجعل أي تسوية سياسية مستقبلية أكثر صعوبة، إن لم تكن مستحيلة؟



