قميص مغترب.. بقلم: زينة شعت

في ذلك الزحام هناك بترٌ يفوق ذاك البتر،
بترٌ للروح.. ذاك الذي يحدث في صمتٍ صاخب، ولا تلتفت إليه الضمادات.
سألني، وفي صوته استنكارٌ يجلد صمتي:
“كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟”
فتحت حقيبتي لأتفقده.. كان مطويًّا بعناية.
تنهدتُ…
لا أعلم كم عليه أن ينتظر رحلةً ربما لن تأتي، ولكن صبرًا جميلًا…
توجهتُ حيث ذاك الواقع ينتظرني، تفاصيل يومية من حياة ابتلعتنا،
ليبدأ اليوم وينتهي بذات السباق، وكأننا نمنح أنفسنا جرعة أمل بأننا سنرتدي ذلك القميص غدًا.
ذلك القميص…
ظننته نائمًا هناك، حيث تركته مع عقارب الساعة المتوقفة تمامًا، ولكن…
في طريقي هذا الصباح شعرت بظلٍّ يتبعني،
كان حلمي المبتور.. طموحي الذي خلّفته وراء سياج العجز.
كان ذلك القميص بعينه، لكنه لم يكن يزهو بنصاعته القديمة؛ بدا هزيلًا، تفوح منه رائحة الانتظار، يرتدي ثيابًا تجاوزها الزمن، كأنه يرتدي خيبتي.
حاولتُ التهرب من بريق نظراته المعاتبة،
وحاولتُ أن أجيبه بتلك المبررات الواهية:
“الظروف، الأولويات، المسؤوليات…”
حاولتُ أن أريه كم أدمى القيدُ معصمي، لكنه لم يستمع، لم يقتنع…
وبصرامة قاطعني:
متى ستكفين عن صياغة الأعذار؟
إلى متى ستدفنين روحي تحت ركام يومياتك الرتيبة؟
إلى متى سأصدق وأنتظر غدك المزعوم الأفضل؟
لقد شبتُ في تلك الحقيبة، وأنتِ لا تزالين تصرين على أن تخبئيني ظنًّا منك أنك تحميني!
أرعبني صوته…
بحثتُ عن مبرر جديد أقدمه له، لكني لم أجد.
نظرتُ إليه بانكسار…
أأخاف إن أخرجتكِ إلى العلن أن تُغتال وتُسحق؟
كيف سأحميك من واقعٍ مرير، ومن ظروفٍ قاهرة، ومن مستحيلٍ يأبى أن يصبح ممكنًا؟
اعذرني… لا أقوى على البدء من جديد…
اقترب مني بقوة ممسكًا مرآة:
انظري كيف بدأت ملامحك تشيب؟
عقلك بات خلاطًا مزدحمًا…
وجسدك بدا هزيلًا من ذلك الركض.
لا تسألي عن الضمانات، فلا أحد يضمن شيئًا في هذا العالم…
تلك الخيمة وتلك الأرض غير المستوية لا تعيق خروجي، خوفك فقط هو العائق!
استدار ليعود من حيث خرج، وأشار بيده ملوحًا:
أخبري مخاوفك بأن الانتظار يعجن الروح ويصقلها، حتى يغدو الموعد المنتظر أثمن من النجاة ذاتها،
أخبريها
بأن الأحلام لا تموت من الجوع… تموت من الانتظار…
تموت من الانتظار… فلا تقتليني.



