لا تهدموا الجسور قبل عبورها… غزة تحتاج إلى الحكمة.. ‏د. سائدة البنا

‏‏تمر غزة اليوم بمرحلة شديدة الحساسية والدقة، مرحلة تتقاطع فيها الآلام المتراكمة مع تطلعات الناس إلى مستقبل أكثر استقرارًا وأقل معاناة. وبعد الإعلان عن استقالة لجنة الطوارئ في غزة، وما يُتداول بشأن التمهيد لدخول اللجنة الوطنية لإدارة شؤون القطاع، يجد المجتمع الغزي نفسه أمام لحظة تستدعي أعلى درجات الحكمة والمسؤولية الوطنية.
‏لقد عانى أهل غزة سنوات طويلة من الحروب والحصار والانقسام والدمار، ودفع المواطن البسيط أثمانًا باهظة من أمنه واستقراره ومستقبل أبنائه. ولذلك فإن أي
‏ خطوة يمكن أن تسهم في تحسين الواقع المعيشي أو تعزيز الاستقرار أو فتح آفاق جديدة أمام الناس تستحق أن تُقابل بعقل منفتح ووعي متزن، لا بردود فعل متسرعة أو أحكام مسبقة.
‏إن أخطر ما يمكن أن يواجه المجتمعات في المراحل الانتقالية ليس فقط التحديات السياسية والإدارية، بل انتشار الشائعات وحملات التشكيك والتخوين التي تُربك الرأي العام وتزرع الخوف والبلبلة بين الناس. فحين يغيب اليقين، تتسع مساحة الإشاعة، وحين يتراجع الوعي، تصبح الأكاذيب حقائق في نظر البعض.
‏إن شعب غزة الذي صمد في وجه المآسي الكبرى يمتلك من الوعي والخبرة ما يجعله قادرًا على التمييز بين النقد المسؤول وبين محاولات هدم الثقة بأي جهد أو خطوة قبل أن ترى نتائجها على أرض الواقع. فالنقد البناء حق مشروع، بل ضرورة وطنية، لكنه يختلف تمامًا عن التشكيك المسبق الذي يحكم على الأمور بالفشل قبل أن تبدأ، أو يزرع اليأس في نفوس الناس دون دليل أو برهان.
‏وفي هذه اللحظة، نحن بحاجة إلى خطاب وطني جامع يضع مصلحة الإنسان الغزي فوق كل اعتبار. خطاب يراقب ويحاسب وينتقد عند الحاجة، لكنه في الوقت نفسه يمنح الفرصة لأي جهد صادق يمكن أن يسهم في تخفيف معاناة المواطنين وإعادة ترتيب أوضاع القطاع المنهك.
‏إن العقلانية لا تعني الصمت، والثقة لا تعني التسليم المطلق، لكن الوعي الحقيقي يقتضي أن نتعامل مع التطورات الجارية بموضوعية ومسؤولية، بعيدًا عن الانفعال والاستقطاب والتجاذبات التي أنهكت المجتمع سنوات طويلة.
‏لقد دفعت غزة أثمانًا باهظة بسبب الانقسام والصراعات والخلافات، وليس من الحكمة أن نعيد إنتاج المشهد ذاته في كل محطة جديدة. فالشعوب التي تبحث عن النجاة لا تسمح للشائعات أن تقودها، ولا للأحكام المسبقة أن تصادر مستقبلها، بل تتمسك بالحقيقة وتنتظر النتائج وتحكم عليها من خلال الواقع لا من خلال التوقعات.
‏إن المرحلة القادمة تحتاج إلى تكاتف الجميع؛ مؤسساتٍ ونخبًا ومثقفين وإعلاميين ومواطنين. وتحتاج قبل كل شيء إلى وعي يحمي المجتمع من الفوضى الفكرية ومن محاولات بث الإحباط وفقدان الثقة.
‏غزة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الانقسام، بل إلى مساحة أوسع من التعقل والحكمة. ولا تحتاج إلى أصوات تثير الشكوك بقدر حاجتها إلى أصوات تدعو إلى المسؤولية الوطنية والرقابة الواعية والعمل من أجل المصلحة العامة.
‏فلنمنح العقل فرصة قبل الانفعال، والحقيقة فرصة قبل الإشاعة، والمصلحة الوطنية فرصة قبل الحسابات الضيقة.
‏فغزة التي صمدت في وجه الحرب والدمار تستحق منا جميعًا أن نحميها من الفوضى، وأن نكون شركاء في صناعة الأمل لا شركاء في صناعة الإحباط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com