كوشان بلدي | في اليوم العالمي للسكان: غزة تفكك حسابات الديموغرافيا بدمائها وصمودها

بينما يلتفت العالم في الحادي عشر من يوليو من كل عام نحو اليوم العالمي للسكان لمناقشة خطط التنمية، ومعدلات النمو، وجودة الحياة البشريّة، يقف الشعب الفلسطيني في غزة أمام مفارقة قاسية وتاريخية تضرب بعرض الحائط كل نظريات الديموغرافيا المستقرة. ففي الوقت الذي يحتفل فيه الكوكب بالتطور البشري، يعكس قطاع غزة كارثة ديموغرافية وإنسانية غير مسبوقة تسببت بها آلة الحرب والحصار المستمر.

إننا في “كوشان بلدي”، ومن منطلق رؤيتنا التي تؤمن بأن الأرض لأصحابها وأن “الكوشان” ليس مجرد ورقة حبر بل هو شاهد إثبات أزلي على ملكية الحق والتاريخ المستهدف، نرى أن ما يحدث اليوم في غزة هو محاولة بائسة لشطب هذا الكوشان عبر تهجير البشر وإبادة الحجر.

مشاريع التهجير القسري: هدم مقومات الحياة لفرض الخيار الأخير
تأتي هذه المناسبة لتسليط الضوء على مخطط ممهج ومدروس من قبل الاحتلال؛ فالهدف الأساسي ليس عسكرياً بحتاً، بل هو مشروع إحلالي يسعى إلى تعزيز مكانه على حساب اقتلاع أصحاب الأرض وإبعادهم عن ديارهم.

في غزة، حيث تتجاوز نسبة اللاجئين الذين هُجّر أجدادهم في النكبة حاجز الـ 70%، يعاد المشهد ذاته اليوم بأساليب أكثر وحشية. لقد عمد الاحتلال إلى تدمير شامل لكل مقومات الحياة الأساسية:

تدمير المنظومة المائية: حيث بات أكثر من 70% من السكان يعتمدون على مياه منقولة بالصهاريج في ظل غياب كامل للبنية التحتية، مما يهدد الأمن المائي والصحي للمدنيين بشكل مباشر.

حرمان من التعليم:فقد حُرم أكثر من 708 آلاف طالب وطالبة من حقهم في التعليم المدرسي والجامعي نتيجة التدمير المتعمد والممنهج للغالبية العظمى من المدارس والجامعات.

النزوح المتكرر والتكدس:
أدى التهجير القسري المستمر إلى تكدس الغالبية العظمى من السكان في مناطق ضيقة تفتقر لأبسط الخدمات الأساسية، مما فاقم الأزمات الصحية والمعيشية.

كل هذا التدمير الشامل لم يُخلق عشوائياً، بل ليكون الخيار الوحيد المطروح أمام الفلسطيني هو التهجير. إنه واقع مرفوض جملة وتفصيلاً، وخير دليل على زيفه هو هذا الشعب الصامد بغزة؛ فرغم أنهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، إلا أنهم متمسكون بتراب أرضهم ويرفضون الانكسار أو الرحيل.

تشويه الهيكل العمري واستهداف الفئات الشابة والولادة:
إن الكارثة السكانية في غزة بتراجع حاد وغير طبيعي في النمو الطبيعي للسكان. هناك استهداف متعمد ومباشر للفئات الشابة والأطفال، مما أدى إلى تشويه خطير في الهيكل العمري للمجتمع الفلسطيني. إن خسارة هذه الطاقات البشرية الفادحة تعيق التطور الطبيعي للمجتمع لسنوات طويلة قادمة.

وفي سياق متصل، يعيش القطاع حالة من الانهيار الصحي والإنجابي؛ حيث انهارت الرعاية الصحية الأساسية تماماً، وعانت النساء الحوامل والأمهات من انعدام شبه كامل للخدمات الإنجابية وأماكن الولادة الآمنة. ومع ذلك، يقف العقل البشري مذهولاً أمام قدرة هذا الشعب على الاستمرار؛ فرغم آلة الموت، تظل فقرة الإنجاب والبقاء وبث الحياة مجدداً دافعاً بلا نهاية، كرسالة تحدٍ أزلية تخبر المحتل بأن الأرض ستنجب أصحابها جيلاً بعد جيل.

الرؤية والعهد: الكوشان باقٍ وصاحب الحق لن يرحل
إن اللاجئ الفلسطيني في غزة وفي كل مخيمات الشتات هو صاحب الحق الأصيل والوحيد. ومهمتنا في “كوشان بلدي” ستبقى دائماً التذكير والتوثيق والدفاع عن هذا الحق الذي لا يموت بالتقادم ولا تمحوه قذائف الطائرات.

في اليوم العالمي للسكان، نطلقها صرخة بوجه المجتمع الدولي الصامت: إن سكان غزة ليسوا مجرد أرقام في إحصائيات ديموغرافية، بل هم حراس الأرض، وأصحاب الكواشين، والشهود الأحياء على أكبر جريمة تطهير عرقي في العصر الحديث. ومهما بلغت شدة المحن، سيبقى الفلسطيني متجذراً في أرضه، وسيبقى “الكوشان” شاهداً وعقداً لا يقبل الإلغاء.

#كوشان_بلدي
#اليوم_العالمي_للسكان
#غزة_تقاوم_التهجير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com