حين يقتحم الاحتلال دفء الأُسر الفلسطينية: من حياة آية فقها إلى معاناة آلاف العائلات.. بقلم: شريف الهركلي

من دفء الأسرة الفلسطينية التي تنعم باستقرارها، وتعيش على أمل العمل وتحقيق الذات وبناء المستقبل، تبدأ حكايات كثيرة تختزن الألم والصمود. أسرة تحلم بحياة طبيعية، وأبناء يتطلعون إلى غدٍ أفضل، ونساء يساهمن في بناء المجتمع، لكن الاحتلال يقتحم هذه الحياة فجأة، فيحوّل الطمأنينة إلى قلق، والأحلام إلى انتظار خلف قضبان السجون.
ففي لحظة واحدة، قد تتحول المرأة الفلسطينية من مهندسة تبني مستقبلها، أو أم ترعى أسرتها، أو إنسانة تخدم مجتمعها، إلى أسيرة خلف القضبان، تواجه قسوة السجن ومرارة الغياب، بينما تبقى عائلتها تعيش ألم الانتظار والحرمان.
وتجسد قضية المهندسة آية فقها صورة مؤلمة لهذا الواقع؛ ففي 26/2/2026 اعتقلها الاحتلال، لتجد نفسها في سجن الدامون بعيداً عن حياتها الطبيعية وأسرتها ومجتمعها. لم تكن آية مجرد اسم في سجل الاعتقالات، بل كانت مهندسة لها عملها ومكتبها ومشروعها الريادي، وكانت تقدم دورات في مجال الهندسة للمرأة الفلسطينية، وتسهم في تمكينها وتعزيز دورها في المجتمع.
كانت آية تبني وتصنع وتخدم وطنها بعلمها وجهدها، قبل أن يأتي الاعتقال ليوقف تفاصيل حياتها المهنية والإنسانية. فمنذ لحظة اعتقالها توقفت مشاريعها وأعمالها، وغابت عن أسرتها وعن كل من كان يستفيد من خبرتها وعطائها.
لكن قصة آية ليست استثناءً، فخلف قضبان السجون يقبع الأسرى من النساء والأطفال والشباب وكبار السن، يحمل كل واحد منهم حكاية إنسانية مؤلمة، وحلماً توقف خلف جدران السجن. هناك أمهات حُرمن من أبنائهن، وأطفال ينتظرون عودة آبائهم، وشباب توقفت سنوات من أعمارهم، وشيوخ أثقلت الأسر سنوات عمرهم.
إن اعتقال الفلسطينيين لا يستهدف أفراداً فقط، بل يترك أثراً عميقاً في الأسرة والمجتمع، ويضرب تفاصيل الحياة الطبيعية، ويحوّل البيوت إلى أماكن تنتظر خبراً عن غائب خلف القضبان. فخلف كل معتقل أسرة تعاني، وخلف كل اسم في السجون قصة إنسان كان له حلم وحياة ورسالة.
وهنا يبرز السؤال الوطني والأخلاقي: ألا تكفي معاناة الأسرى والأسيرات لتحرك ضمير الفصائل الفلسطينية، وتدفعها إلى تجاوز الانقسامات البلهاء التي أضعفت القرار الوطني الفلسطيني وأثقلت كاهل القضية؟ أليس وجع الأسرى، ومعاناة الشعب الفلسطيني، أكبر من كل الخلافات السياسية والمصالح الفئوية؟
إن الوحدة الوطنية لم تعد خياراً مؤجلاً، بل أصبحت ضرورة لحماية الإنسان الفلسطيني وقضيته وحقوقه. فالقضية التي تجمع الجميع هي قضية شعب يبحث عن الحرية والكرامة، وليست قضية فصيل أو تيار. فالأسرى خلف القضبان يمثلون عنواناً جامعاً لكل الفلسطينيين، ورسالة واضحة بأن الانقسام لا يخدم إلا من يسعى إلى إضعاف المشروع الوطني.
وهنا يطرح السؤال أمام العالم أجمع: هل يتوافق اقتلاع الإنسان الفلسطيني من أسرته وعمله ومحيطه الطبيعي مع مبادئ القانون الدولي الإنساني ومواثيق حقوق الإنسان؟ وأين تقف الاتفاقيات الدولية التي تؤكد حماية الأسرة وصون كرامة الإنسان وحقه في الحياة الآمنة؟ إن استمرار معاناة الأسرى من النساء والأطفال والشباب وكبار السن يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية، فحقوق الإنسان لا يجب أن تكون انتقائية، والعدالة لا يمكن أن تتجزأ.
إن حماية الأسرة الفلسطينية وحقوق الأسرى ليست مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، بل هي مسؤولية المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية التي يجب أن تعمل بجدية من أجل وقف الانتهاكات وضمان احترام القوانين والمواثيق الدولية.
تبقى الأسرة الفلسطينية عنواناً للصمود والثبات، وتبقى المرأة الفلسطينية رمزاً للعطاء والتحدي، ويبقى الأسرى رسالة مفتوحة إلى كل القوى الفلسطينية: آن الأوان لإنهاء الانقسام، واستعادة وحدة الصف، لأن قوة الشعب الفلسطيني تبدأ من وحدته، ولأن الحرية لا تُبنى إلا بإرادة وطنية موحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com