سهيل جبر أبو الشيخ يدق أبواب المستقبل الفلسطيني.. بقلم/ شريف الهركلي

في زمن تتكاثر فيه الأزمات الوطنية وتتراجع فيه مساحات الحوار والنقد، تكتسب الكلمات الصادقة أهمية استثنائية، خاصة عندما تصدر عن شخصيات تدرك حجم التحديات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني. ومن بين هذه الأصوات يبرز القيادي الفتحاوي سهيل جبر، الذي يواصل عبر كتاباته ومنشوراته توجيه رسائل تحمل الكثير من القلق على الواقع الفلسطيني، والكثير من الأمل بإمكانية النهوض من جديد.
فقد كتب مؤخرًا:
“إن تعظيم قوة وحصانة المشروع الوطني، مهما كبرت المحن، لا يكتمل إذا لم يترافق مع إعادة بناء المجتمع نفسه، ووقف العجز عن بناء مؤسسات وطنية قادرة على استيعاب الطاقات الشابة، وتجديد القيادة، وترسيخ ثقافة المساءلة، وحماية القرار الوطني من الشخصنة والاحتكار والتوريث بكل أشكاله. إن التنظيم الذي لا يملك شجاعة النقد الذاتي يتحول مع الوقت إلى إطار يبرر الإخفاق أكثر مما يتقن صناعة النجاح وبناء المستقبل.”
هذه الكلمات لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد رأي تنظيمي عابر، بل هي تشخيص عميق لأحد أخطر التحديات التي تواجه الحالة الفلسطينية. فالمشروع الوطني لا يضعف فقط بفعل الاحتلال وإجراءاته الاستيطانية والعدوانية، بل يضعف أيضًا عندما تتراجع قدرة المؤسسات الوطنية على التجدد، وعندما تُغلق أبواب المشاركة أمام الأجيال الشابة، وعندما يصبح النقد جريمة بدلاً من أن يكون وسيلة للإصلاح والتطوير.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن التنظيمات التي ترفض مراجعة أخطائها تفقد تدريجيًا قدرتها على التأثير والقيادة. أما التنظيمات التي تمتلك شجاعة الاعتراف بالقصور، فإنها تكون أكثر قدرة على البقاء والتطور ومواجهة المتغيرات. فالنقد الذاتي ليس استهدافًا للمشروع الوطني، بل هو أحد أهم أدوات حمايته وتعزيز مناعته.
وفي الواقع الفلسطيني، كثيرًا ما يُنظر إلى المنتقد باعتباره خارج الصف الوطني أو مشككًا بالثوابت، بينما الحقيقة أن الأوطان تتقدم بالنقاش الحر وتعدد الآراء، لا بالصمت والخوف وتقديس الأشخاص. فالشخصنة والاحتكار والتوريث السياسي والتنظيمي ليست مظاهر قوة، بل مؤشرات على أزمة تحتاج إلى معالجة جادة قبل أن تتحول إلى عائق أمام أي مشروع إصلاحي.
إن الإنسان الفلسطيني هو الثروة الحقيقية لهذا الوطن. وهو مصدر القوة والصمود والقدرة على الاستمرار. لكن هذا الإنسان، الذي تحمل الحصار والحروب واللجوء والبطالة والانقسام، يحتاج اليوم إلى مؤسسات تمنحه الأمل، لا إلى مؤسسات تُغلق الأبواب أمام طموحاته. ويحتاج إلى قيادة تستمع إلى صوته، لا إلى قيادة تخشى الأسئلة والمحاسبة.
ولعل ما قاله الشاعر الفلسطيني محمود درويش يلخص جانبًا من هذه الحقيقة حين كتب:
“على هذه الأرض ما يستحق الحياة.”
وما يستحق الحياة حقًا هو أن يبقى الفلسطيني قادرًا على الحلم، وقادرًا على المشاركة في صناعة مستقبله الوطني، بعيدًا عن الإقصاء والتهميش والاحتكار.
إن قوة المشروع الوطني لا تُقاس بعدد الشعارات المرفوعة، بل بقدرته على تجديد ذاته، واحترام كرامة الإنسان، وإفساح المجال أمام الكفاءات الشابة، وترسيخ الديمقراطية والمساءلة وسيادة القانون. فالأوطان التي تحترم الإنسان تصنع المستقبل، أما الأوطان التي تخشى النقد فإنها تظل أسيرة أخطائها.
لقد دقّ سهيل جبر بابًا مهمًا من أبواب المستقبل الفلسطيني، ويبقى السؤال: هل تمتلك مؤسساتنا الوطنية والتنظيمية الشجاعة الكافية لفتح هذا الباب قبل فوات الأوان؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com