أزمة المفاهيم الإدارية في القطاع الصحي الحكومي بقطاع غزة.. نضال احمد جابر جودة

أما آن الأوان للمجتمع الصحي الإداري أن يفيق، ويضع النقاط على الحروف، ويقف عند كل مصطلح إداري ليدرك معناه وحدوده وامتداده؟ وهنا يدور الحديث عن المعيار، والسياسة، والنظم الإدارية، والدليل، والإجراءات، والتعليمات الوزارية، والأداء، ومؤشر الأداء. فجميع هذه المصطلحات لا تمثل ألفاظاً متقاربة في المعنى، وإنما تمثل مستويات إدارية متتابعة، يخضع كل منها لمجموعة من المدخلات التي تختلف في مضمونها ووظيفتها، كما يستند كل منها إلى معيار أو مجموعة من المعايير التي تمنحه شرعيته داخل البناء المؤسسي. ولذلك فإن الحديث عن أي مصطلح بمعزل عن المعيار الذي أوجده، أو اعتباره مؤشراً للأداء بمجرد وجوده، يمثل خللاً في فهم المنظومة الإدارية قبل أن يكون خطأً في الممارسة.
إن أخطر ما يواجه القطاع الصحي الحكومي في قطاع غزة ليس فقط محدودية الموارد أو تعقيدات الواقع السياسي والإنساني، بل أزمة أعمق تتمثل في اضطراب المفاهيم الإدارية. فالإدارة لا تبدأ بدليل، ولا بإجراء، ولا بتعميم وزاري، وإنما تبدأ بالمعيار. فالمعيار هو نقطة الانطلاق التي تُبنى عليها السياسة، والسياسة تُنتج النظام الإداري، والنظام الإداري يترجم إلى دليل، والدليل يُفصَّل في إجراءات، والإجراءات قد تستدعي تعليمات تنفيذية، ومن خلال هذا البناء يتشكل الأداء، ثم يأتي مؤشر الأداء لقياسه، وتأتي عملية القياس لتوفير بيانات موضوعية، ويأتي التقويم لتحليل النتائج واتخاذ قرارات التحسين. وعندما يُكسر هذا التسلسل المنطقي، تصبح المؤسسة أسيرة وثائق متناثرة، لا منظومة إدارية متكاملة.
ومن المؤسف أن كثيراً من الخطاب الإداري السائد يتعامل مع هذه المصطلحات وكأنها مترادفات، أو يعد مجرد إصدارها إنجازاً مؤسسياً. فيُقدَّم الدليل باعتباره مؤشراً للأداء، وتُعرض الإجراءات على أنها نجاح إداري، وتُحتسب التعليمات الوزارية دليلاً على التطوير، وتتحول الاجتماعات وورش العمل إلى غاية بحد ذاتها. وهذا الخلط لا يكشف عن ضعف في استخدام المصطلحات فحسب، بل يكشف عن غياب الفهم للعلاقة العضوية التي تربطها، لأن كل مفهوم يؤدي وظيفة مختلفة، ولا يجوز أن يحل أحدها محل الآخر.
إن الدليل ليس هدفاً، وإنما أداة لتنظيم العمل. والإجراءات ليست إنجازاً، وإنما وسيلة لضبط التنفيذ. والتعليمات الوزارية ليست بديلاً عن السياسة، وإنما أداة لتفسيرها أو تنظيم تطبيقها في حالات محددة. أما الأداء فهو ما تحققه المؤسسة فعلاً، في حين أن مؤشر الأداء ليس الأداء ذاته، وإنما أداة لقياسه وفق معيار سبق تحديده. ولذلك فإن السؤال الإداري الصحيح ليس: كم دليلاً أصدرنا؟ ولا: كم إجراءً اعتمدنا؟ ولا: كم اجتماعاً عقدنا؟ وإنما: ما الذي تغير في جودة الخدمة؟ وما الأثر الذي انعكس على المستفيد النهائي؟
ولأن القطاع الصحي مؤسسة خدماتية قبل أن يكون جهازاً إدارياً، فإن جميع هذه المفاهيم لا تكتسب قيمتها من وجودها الورقي، وإنما من أثرها التشغيلي. فنجاح أي سياسة صحية لا يقاس بجمال صياغتها، وإنما بقدرتها على تنظيم العمل. ونجاح أي دليل لا يقاس بعدد صفحاته، وإنما بمدى توحيده للممارسة. ونجاح أي إجراء لا يقاس بوجوده في ملف، وإنما بقدرته على تقليل الخطأ وتسريع الخدمة. أما مؤشر الأداء فلا يقاس بعدد الأنشطة المنفذة، وإنما بقدرته على قياس الأثر الحقيقي الذي أحدثته تلك الأنشطة.
ولعل ملف المرضى المحولين للعلاج خارج قطاع غزة يقدم المثال الأكثر وضوحاً على هذا الخلل. فالكثيرون يعتقدون أن المريض يحصل على تحويلة علاجية بمجرد استكمال الطبيب للنموذج، بينما الحقيقة أن ما يصدر في هذه المرحلة هو نموذج تحويل داخلي يُحال إلى دائرة العلاج بالخارج، لتبدأ بعد ذلك العملية المؤسسية الحقيقية، بما تتضمنه من مراجعة، وتنسيق، وترتيب للأولويات، والتواصل مع الجهات المستقبلة، واستكمال المتطلبات الإدارية والطبية. وعليه، فإن عدد النماذج الصادرة لا يمثل مؤشراً للأداء، لأنه لا يخبرنا شيئاً عن النتيجة النهائية. أما المؤشر الحقيقي فهو عدد المرضى الذين وصلوا إلى العلاج في الوقت المناسب، وعدالة المفاضلة بينهم، وجودة التنسيق، وانخفاض زمن الانتظار، ومستوى رضا المرضى عن الخدمة التي تلقوها.
ومن هنا تبرز أهمية دائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى، ليس باعتبارهما وحدتين إداريتين تنجزان معاملات، بل باعتبارهما جزءاً من سلسلة تشغيلية متكاملة هدفها حماية حق المريض في الوصول إلى العلاج. وأي تهميش لدورهما، أو تجاوز لاختصاصاتهما، أو استحداث مسارات موازية لا تستند إلى بناء مؤسسي واضح، ينعكس مباشرة على كفاءة المنظومة بأكملها، لأن الخلل في الإدارة لا يبقى داخل المكاتب، بل يصل في النهاية إلى سرير المريض.
إن الإدارة الصحية لا تُقاس بما تنتجه من أوراق، ولا بما تعقده من اجتماعات، ولا بما تصدره من تعليمات، وإنما تُقاس بقدرتها على تحويل هذه الأدوات إلى نتائج ملموسة. ولهذا فإن نقطة البداية ليست الدليل، ولا الإجراءات، ولا حتى مؤشر الأداء، وإنما المعيار؛ لأنه المرجعية التي تمنح كل مفهوم مكانه الصحيح، وتحول الإدارة من ممارسة ارتجالية إلى منظومة علمية قابلة للقياس والتقويم والتحسين.
ولعل أول خطوة في طريق الإصلاح ليست إصدار وثيقة جديدة، وإنما إعادة الاعتبار للمفاهيم الإدارية، ووضع كل مصطلح في موضعه الطبيعي، حتى لا تتحول الأدوات إلى غايات، ولا تختزل الإدارة في نشاط، ولا يصبح وجود الوثيقة بديلاً عن أثرها. فحين يُبنى العمل على معيار واضح، تصبح السياسة أكثر اتساقاً، والنظام أكثر استقراراً، والدليل أكثر فاعلية، والإجراءات أكثر كفاءة، والتعليمات أكثر انضباطاً، والأداء أكثر جودة، ومؤشرات الأداء أكثر صدقاً، ويصبح التقويم أداة للإصلاح لا مجرد وسيلة لإنتاج التقارير. وعندئذ فقط يمكن القول إن الإدارة الصحية قد أدت رسالتها، لأن المريض سيكون قد لمس أثرها في واقعه، لا في أرشيف المؤسسة.



