من إدارة الأنشطة إلى إدارة الأثر: ما بين نموذج رقم (1) والتحويلة الطبية، حين فقد الإجراء بوصلته:

نضال احمد جابر جودة
حين تتحول الوسيلة إلى غاية، وتصبح الوثيقة بديلاً عن النتيجة، تدخل الإدارة مرحلة خطيرة من اضطراب المفاهيم. ففي تلك اللحظة لا يعود النجاح يقاس بما تحقق للمريض، وإنما بما أُنجز من أوراق ونماذج وإجراءات. وهذه هي الأزمة التي تعيشها منظومة التحويلات الطبية في قطاع غزة؛ إذ لم تعد المشكلة في نقص الإمكانات وحدها، بل في فقدان البوصلة التي تميز بين الإجراء الإداري والأثر الصحي.
لقد كان نموذج رقم (1) قبل السابع من أكتوبر 2023 جزءاً من منظومة إدارية متكاملة، ولم يكن يوماً غاية في حد ذاته. فعندما يستنفد الطبيب المعالج جميع الخيارات العلاجية داخل المستشفى، والتي قد تمتد إلى أسبوع أو أسبوعين بحسب طبيعة الحالة، كان يقرر إصدار نموذج رقم (1) بصورة عاجلة، لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة تتولاها الجهات المختصة، ممثلة بدائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى.
ومنذ تلك اللحظة كانت المسؤولية تنتقل من الطبيب إلى الإدارة، حيث تبدأ مراجعة الملف الطبي، واستكمال المتطلبات الفنية، وإصدار التحويلة الطبية، والتنسيق مع المستشفيات المستقبلة، ومتابعة إجراءات السفر حتى يصل المريض إلى المؤسسة العلاجية التي تحتاجها حالته. ولذلك لم يكن نموذج رقم (1) سوى نقطة البداية، أما الغاية الحقيقية فكانت حصول المريض على العلاج المناسب في المكان المناسب وفي الوقت المناسب.
أما بعد السابع من أكتوبر 2023 فقد اختلطت المفاهيم بصورة غير مسبوقة، وأصبح هناك خلط بين نموذج رقم (1) والتحويلة الطبية، حتى بدا وكأن إصدار النموذج وحده يمثل إنجازاً إدارياً، بينما الواقع يؤكد أن النموذج لا يعالج مريضاً، ولا ينقله إلى مستشفى، ولا يضمن له استمرارية العلاج، ما لم تستكمل بقية حلقات المنظومة الإدارية.
واليوم تشير التقديرات إلى خروج ما يقارب عشرين ألف مريض للعلاج خارج قطاع غزة، من بينهم نحو أحد عشر ألف مريض أورام. ولكن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل إداري قبل غيره هو: هل تحققت غاية هؤلاء المرضى بمجرد إصدار نموذج رقم (1)؟ وهل مجرد خروجهم من القطاع يعني نجاح المنظومة الصحية؟
الإجابة بكل وضوح: لا.
فحتى مغادرة المريض للقطاع لا تمثل الغاية النهائية، وإنما هي مجرد وسيلة ضمن رحلة علاجية طويلة تبدأ بالتشخيص ولا تنتهي إلا بعد حصول المريض على التحويلة الطبية واستكمال علاجه وفق خطة علاجية واضحة. أما اختزال هذه الرحلة في ورقة أو إجراء إداري، فهو اختزال يفرغ الإدارة من مضمونها الإنساني والمهني.
لقد أثبت الواقع أن استبدال المنظومة المؤسسية القائمة بفرق إدارية إحلالية، جاءت لتحل محل دائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى، لم يؤدِّ إلى تطوير منظومة التحويلات الطبية، بل ساهم في تفكيكها، وأضعف التكامل بين حلقاتها، وأفقدها الخبرة التراكمية التي بُنيت عبر سنوات طويلة من العمل المؤسسي. فالإدارة ليست مجموعة أشخاص يمكن استبدالهم متى شئنا، وإنما منظومة اختصاصات وإجراءات وصلاحيات ومسؤوليات متكاملة، وإذا انهارت إحدى حلقاتها انهارت المنظومة بأكملها.
ومن هنا، فإن أخطر ما أصاب منظومة التحويلات الطبية لم يكن الحرب وحدها، وإنما انهيار المفهوم الإداري ذاته؛ إذ استُبدلت المؤسسة بالفريق المؤقت، والاختصاص بالارتجال، وإدارة الأثر بإدارة الأنشطة، وأصبح النجاح يُقاس بعدد النماذج الصادرة أو بعدد المغادرين، بدلاً من قياسه بعدد المرضى الذين استعادوا حقهم الكامل في العلاج.
إن الإدارة الرشيدة لا تسأل: كم نموذجاً أصدرنا؟ ولا كم مريضاً غادر؟ وإنما تسأل: كم مريضاً وصل إلى علاجه؟ وكم حياةً أنقذنا؟ فهناك، وفقط هناك، تبدأ الإدارة الحقيقية… ويظهر الأثر الذي من أجله وُجدت المؤسسات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com