الحوكمة تبدأ من حيث يقف المريض لا من حيث يجلس المسؤول
الحديث عن الحوكمة في خدمات المرضى لا ينبغي أن يقتصر على تشكيل اللجان أو اختيار النخب الإدارية والفنية، فالحوكمة ليست أسماءً ولا مناصب، وإنما منهجية متكاملة تقوم على فهم الواقع، وبناء القرار من الميدان، وإشراك جميع أصحاب العلاقة في صناعة الخدمة.
إن الركيزة الأولى في حوكمة خدمات المرضى هي فقه الاحتياج؛ أي القدرة على تشخيص احتياجات مقدم الخدمة ومستقبلها معًا. فلا يمكن بناء معيار إداري حقيقي إذا كان بعيدًا عن الموظف الذي يستقبل المريض كل صباح، ويستمع إلى شكواه، ويتحمل انفعاله، ويواجه العقبات اليومية قبل أن تصل إلى مكتب أي مسؤول. كما لا يمكن بناء معيار ناجح دون الإصغاء إلى المريض وذويه، فهم أصحاب التجربة الفعلية، وهم الأقدر على وصف مواطن القوة والقصور في الخدمة.
ومن هنا، فإن موظفي الاستقبال والاستعلامات وشؤون المرضى ليسوا مجرد منفذين للإجراءات، بل هم المصدر الأول للمعلومة، والمرآة التي تعكس حقيقة النظام الإداري. أما الفئة المستهدفة من المرضى وذويهم فهي الشريك الحقيقي في تقييم جودة الخدمة، ولا تكتمل الحوكمة إلا بسماع صوتها وإشراكها في تحديد الأولويات.
أما رؤساء أقسام خدمات المرضى، فإن مسؤوليتهم لا تتمثل في الاكتفاء بالإشراف الإداري، وإنما في صياغة المعيار الذي تُبنى عليه الخدمة. فالمعيار ليس نصًا جامدًا، بل هو انعكاس لطبيعة الاحتياج، وللواقع الذي يعيشه المرضى والعاملون معًا. وكلما اقترب المعيار من الواقع، كان أكثر عدلًا وفاعلية وقابلية للتطبيق.
ومن الضروري أن ندرك أن الاحتياج ليس قالبًا واحدًا؛ فاحتياج مريض الأورام يختلف عن احتياج مريض غسيل الكلى، واحتياج الطفل يختلف عن احتياج المسن، واحتياج الحالة الطارئة يختلف عن احتياج المراجع العادي. ولذلك فإن بناء معيار واحد بمعزل عن اختلاف الاحتياجات لن يحقق العدالة ولا الجودة، بل سيؤدي إلى خدمة شكلية لا تستجيب لحقيقة الواقع.
إن الدعوة اليوم موجهة إلى كل رئيس قسم خدمات مرضى في المستشفيات الحكومية بقطاع غزة: ليكن أول اجتماع تعقده مع موظفيك ومع المرضى وذويهم، قبل أن يكون مع الملفات والتقارير. عِش واقعهم، واستمع إلى تفاصيل يومهم، وتأمل طبيعة احتياجاتهم، ثم ابدأ بصياغة المعيار الذي يعبر عن هذا الواقع، لا المعيار الذي يكتفي بوصف الإجراءات.
فالخدمة الصحية الرشيدة لا تُبنى من أعلى إلى أسفل، وإنما تُبنى من نقطة التماس الأولى مع المريض، حيث تبدأ الحوكمة الحقيقية، ويبدأ الإصلاح الحقيقي، وتبدأ رحلة الارتقاء بجودة الخدمات.
أريج خليل صافي



