بين ضوضاء الانتخابات، وأزيز الرصاص، والخيام المهترئة، وصراخ الأرامل، وبكاء الثكالى. لم يعد أهل غزة يسألون: من يحكم؟ بل كيف يعيشون بكرامة؟

نضال احمد جابر جودة
لا قيمة لأي شرعية، حزبية كانت أم سياسية، إذا عجزت عن صون كرامة الإنسان وحماية حقوقه الأساسية. ولا معنى لأي مشروع وطني إذا لم يبدأ بحق المواطن في الحياة، وينتهي بحقه في العيش بكرامة. فالشرعية الحقيقية لا تُقاس بعدد الانتخابات، ولا بجمال الشعارات، ولا بحجم الخطابات، وإنما تُقاس بقدرة منظومة الحكم على حماية الإنسان، وصيانة حقوق المواطنة، وتوفير مقومات الحياة الكريمة.
منذ سنوات طويلة، ظل الانقسام السياسي العنوان الأبرز للحياة الفلسطينية في قطاع غزة. وانشغل الناس بالحديث عن الشرعية، والانتخابات، والتمثيل، والسلطة، والمقاومة، والتسوية، حتى بدا وكأن مستقبل الإنسان الفلسطيني مرهون بصراعٍ لا ينتهي حول من يمتلك حق الحكم.
غير أن سنوات الحصار، وما تبعها من حروب متكررة ودمار واسع ونزوح جماعي، أعادت تشكيل وعي المجتمع الفلسطيني بصورة عميقة. فلم يعد المواطن في غزة أسيرًا للجدل حول الانتخابات والديمقراطية بوصفهما غايةً في ذاتهما، بعدما عاش سنواتٍ طويلة في ظل ممارسات سياسية لم تنجح في ترسيخ حقوق المواطنة أو حماية كرامة الإنسان. واليوم، لم يعد يبحث عن شعارات جديدة، بل عن منظومة حكم تجعل حقوقه أصلًا ثابتًا لا منحةً سياسية، وتُقاس شرعيتها بقدرتها على صون الإنسان قبل أي شيء آخر.
ولذلك، لم يعد السؤال الذي يشغل المواطن: من يحكم؟ بل أصبح: أين سأعيش؟ وكيف سأطعم أسرتي؟ ومتى يعود أطفالي إلى مدارسهم؟ وأين أتلقى العلاج؟ وهل سأتمكن من إعادة بناء منزلي الذي دُمِّر؟
لقد أعادت المأساة ترتيب سلّم الاحتياجات الإنسانية. فالخيام المهترئة لم تعد مجرد مأوى مؤقت، بل أصبحت رمزًا لمعاناة يومية، والبحث عن الماء والغذاء والدواء بات يسبق أي نقاش سياسي أو أيديولوجي. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع الشعارات أمام حاجات الإنسان الأساسية، وتصبح الحياة الكريمة المطلب الأول الذي تتقدم عليه جميع المطالب الأخرى.
وفي المقابل، لم تستطع كثير من القوى السياسية مواكبة هذا التحول العميق في وعي المجتمع. فما زالت بعض الخطابات تدور في فلك المناكفات وإعادة إنتاج الاصطفافات القديمة، بينما يتطلع المواطن إلى خطاب جديد يبدأ بإعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء السلطة، ويعيد الاعتبار للمؤسسات العامة بوصفها أدواتٍ لخدمة المجتمع، لا ساحاتٍ للتنافس على النفوذ.
لقد أصبح معيار الحكم عند كثير من أبناء غزة واضحًا وبسيطًا: من يستطيع أن يحفظ كرامة الإنسان، ويوفر له الأمن، والعلاج، والتعليم، والعمل، وإعادة الإعمار، فهو الأقرب إلى وجدان الناس. أما الشعارات والانتماءات، فقد فقدت كثيرًا من تأثيرها عندما عجزت عن حماية الحد الأدنى من مقومات الحياة.
إن أخطر ما أفرزته السنوات الماضية ليس الانقسام السياسي وحده، بل اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي وواقع الناس. فالمواطن الذي فقد منزله، أو عمله، أو أحد أفراد أسرته، لم يعد معنيًا بصراعات النفوذ بقدر ما أصبح معنيًا باستعادة حقه في حياة آمنة وكريمة.
ولذلك، فإن مستقبل غزة لن يُبنى بإعادة إنتاج الانقسامات، ولا بتبديل الوجوه، وإنما ببناء عقد اجتماعي جديد تكون فيه كرامة الإنسان نقطة البداية، وتكون المؤسسات العامة أداةً لخدمة المجتمع، لا وسيلةً لتقاسم النفوذ أو الامتيازات.
إن غزة اليوم لا تبحث عن منتصر سياسي، بل تبحث عن حياة؛ عن مدرسة تفتح أبوابها، ومستشفى يعالج مرضاه، وبيت يؤوي أبناءه، ووظيفة تحفظ كرامة صاحبها، ومؤسسات تعمل وفق القانون، والعدالة، والمساءلة.
لقد تجاوز أهل غزة سؤال: من يحكم؟ إلى شسؤال أكثر عمقًا وإلحاحًا: كيف نعيش بكرامة؟ وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن تتواضع أمامه جميع القوى السياسية، لأن مستقبل غزة لن تصنعه الشعارات، ولا صراعات الشرعيات، وإنما يصنعه الإنسان عندما تصبح كرامته وحقوقه الغاية الأولى لكل مشروع وطني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com