فقه الاحتياج الإداري والخدماتي: من أين يبدأ الإصلاح الحقيقي في المنظومة الصحية؟

أشكر من القلب كل الزملاء الذين يشجعونني على الاستمرار في الكتابة لتوضيح بعض المفاهيم الإدارية التي أرى أنها تحتاج إلى إعادة قراءة وفهم، كما أتقدم بخالص التقدير لكل من أثنى على كتاباتي المتواضعة في هذا المجال. فأقول بصدق: شكرًا لكلا الفريقين؛ لمن منحني الدعم للاستمرار، ولمن وجد في هذه الكلمات قيمة تستحق النقاش.
وأؤكد دائمًا أن الهدف من الكتابة ليس تسجيل المواقف أو البحث عن النقد لذاته، وإنما محاولة الإسهام في تصحيح بعض المفاهيم الإدارية التي أصبحت في كثير من الأحيان تُمارس كمصطلحات مجردة، بينما فقدت معناها الحقيقي عند التطبيق. فالإدارة الصحية ليست مجموعة من الإجراءات الورقية، وليست كثرة الاجتماعات واللقاءات، وليست عدد الصور التي توثق نشاطًا هنا أو إنجازًا هناك، وإنما هي علم وفن يبدأ من فهم الاحتياج الحقيقي للإنسان الذي جاءت المؤسسة الصحية من أجله؛ وهو المريض.
إن الخدمة الصحية الرشيدة لا تُبنى من أعلى إلى أسفل، وإنما تبدأ من نقطة التماس الأولى مع المريض؛ من الطبيب والممرض والإداري والعامل الصحي الذي يواجه الاحتياج اليومي للمرضى، فهناك تبدأ الحوكمة الحقيقية، وهناك يبدأ الإصلاح الحقيقي، وهناك تبدأ رحلة الارتقاء بجودة الخدمات الصحية.
ومن هنا فإن فقه الاحتياج الإداري والخدماتي يصبح المدخل الأساسي لفهم أي عملية إصلاح؛ فالاحتياج الإداري لا يعني فقط توفير الهياكل التنظيمية أو إصدار التعليمات، وإنما يعني القدرة على قراءة الواقع، وتحليل الفجوات، وتصميم أنظمة عمل تستجيب للمرضى والعاملين معًا. أما الاحتياج الخدماتي فهو القدرة على إدراك ما يحتاجه المريض فعلًا، وليس ما نعتقد نحن أنه يحتاجه من خلف المكاتب.

إن الخطأ الإداري الكبير يبدأ عندما تتحول المشكلات إلى شماعة تُسمى “عوائق”، بينما الإدارة الرشيدة تنظر إليها باعتبارها فرصًا للتعلم وإعادة البناء. فالمشكلة ليست نهاية الطريق، وإنما قد تكون نقطة البداية لاكتشاف الخلل وتصحيح المسار. المؤسسات الناجحة لا تخلو من المشكلات، لكنها تمتلك القدرة على تحويل المشكلات إلى فرص تقودها نحو النجاة والتطوير.
وفي المقابل، يجب أن نعيد النظر في مفهوم الإنجاز داخل المؤسسات الصحية؛ فليس كل لقاء إنجازًا، وليس كل اجتماع عملًا منتجًا، وليس كل صورة توثيقية دليل نجاح، حتى وإن كانت الصورة تحمل ألوانًا براقة أو مشهدًا إعلاميًا جذابًا. فالإنجاز الحقيقي لا يُقاس بعدد الفعاليات، وإنما بوجود معيار واضح يجيب عن السؤال الأهم: ما أثر هذا النشاط على المريض؟ وما القيمة التي أضافها إلى جودة الخدمة الصحية؟
فأي نشاط إداري لا يرتبط بمعيار محدد، ولا يقاس بمؤشر أداء واضح، ولا ينعكس على تحسين رحلة المريض، يبقى نشاطًا فاقدًا للأهلية الإدارية، مهما كان حجمه أو طريقة عرضه.
أريج خليل صافي


