دقّـوا أجرَاسَ العَمَل.. ولا تَتَذرَّعُوا بالظُّرُوف!.. بقلم: د. سلامة أبو زعيتر

إن اللحظات التاريخية التي تُعقب المؤتمرات العامة لا تُقاس بحجم ما كُتب في مقرراتها، ولا بجمال الشعارات التي رُفعت على منصاتها، بل تُقاس حصراً بالقدرة على إحداث صحوة تنظيمية شاملة وقراءة الواقع كما هو، بلا تجميل ولا هروب إلى الأمام.
لقد أفرز المؤتمر العام الثامن استحقاقاً تنظيمياً واستراتيجياً لا يحتمل التأجيل، واليوم، ونحن نضع أيدينا على مكامن الجرح بكل شجاعة ومسؤولية، ندرك أن المشهد التنظيمي والجماهيري يعاني تراجعاً لا يمكن إنكاره، نعم، هناك ظروف موضوعية قاهرة وضغوطات استثنائية تحيط بنا من كل جانب، ولكن الحق والمنطق الإداري الحديث يعلّمانا أن عجز المؤسسات لا تُبرره صعوبة الظروف، بل يفضحه ضعف الأداء، وتراجع قدرات القائمين عليها، وشحّ حجتهم.
إن قوة أي تنظيم وثباته لا يقاسان بحجم هيكليته التنظيمية الإدارية الصامتة، بل بمدى اتساع امتداده الشعبي والجماهيري، وقدرته على الاستثمار بسواعد كوادره وطاقته البشرية، وإلى جانب الهيكل التنظيمي الرسمي، يشكل العمل النقابي والمؤسساتي، والقطاع النسوي، والحركة الطلابية، والعمل الأهلي والتعاوني، وشبكات العلاقات الوطنية والمجتمعية رأس المال الحيوي للحركة.
إن التحرك باتجاه هذه الأطر والقطاعات الحيوية يجب أن يسير بالتوازي والتزامن الكامل مع العمل في الأقاليم والمناطق الحركية؛ إذ لا يمكن فصل البناء التنظيمي الجغرافي عن امتداده القطاعي والجماهيري، إن هذا التوازي هو الكفيل بإحداث تغيير حقيقي وملموس يلامس أمل ومستقبل حركتنا الواعدة والقادمة بالتغيير والاستنهاض.
هذه الأطر ليست مجرد يافطات أو مسميات لأجسام نقابية أو مكاتب حركية أو مساحات تمثيلية شكلية، بل هي الشرايين التي تضخ الدماء والكفاءات المهنية والشبابية والنسوية في جسد التنظيم، والدرع الصلب الذي يحمي حضوره ورسالته في أوساط المجتمع.
عندما يتراجع العمل النقابي والاجتماعي، يفقد التنظيم ظهيره السندي وحاضنته المهنية والعمالية والنسوية والشبابية؛ فعندما تُهمّش الحركة الطلابية، نُغلق الأبواب أمام الدماء الجديدة والفكر الشاب المتجدد، وعندما يغيب الدور الفاعل للمرأة، نفقد نصف قدرتنا على التأثير والتغيير، وعندما تتكلس المؤسسات والأقاليم بفعل القيادات التقليدية التي تفتقر للحجة والوعي والمقدرة المهنية والفنية وتعتمد على المظاهر، يصبح النكوص نتيجة حتمية لا مناص منها.
إننا اليوم أمام لحظة فارقة لدق ناقوس الخطر والاستدراك، ووجوب أن نشارك القيادة في تطوير الطرح والفكرة لتكون ذات رسالة وتحقق الإنجاز والأهداف الوطنية، وذلك من خلال المحاور التالية:
1. تقييم موقف حقيقي وشجاع ويجب أن نتوقف عن إلقاء اللوم على الظروف وتبرير الفشل، والواجب أن ننتقل فوراً إلى مساءلة الأداء والتقييم المنهجي لما سبق؛ فإن استعادة البناء تتطلب وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وفق معايير الكفاءة، والقدرة على الإقناع، وإدارة المؤسسات بعقلية حديثة تتناسب مع تحديات العصر، وأن ننبذ الشللية والصحبية والجهوية؛ فعظمة التنظيم بقيمه الأخوية الصادقة.
2. استعادة المبادرة الميدانية بالتوازي والتكامل ويجب ان تعود أطرنا النقابية والطلابية والنسوية جنبًا إلى جنب مع قيادات الأقاليم والمناطق إلى الشارع وإلى قواعدها الحقيقية، على أسس سليمة ونوايا صادقة، ونريد تحركات وخطابات تلامس هموم الناس، وحجة قوية تستند إلى الحقائق والخدمة الفعلية، لا إلى الكلام المستهلك، والبحث عن الذات والمصالح الضيقة للأفراد، على حساب العام.
3. ضخ الدماء الشابة المؤمنة بالفكرة ودمجها بالعمل لإن إنقاذ هذا المشهد لن يتم بمعجزات هابطة من السماء، بل بسواعد المؤمنين بالفكرة الصادقين بالانتماء، الذين صدقوا وحافظوا على جذورهم وحرصوا بما يملكون على أن يكونوا الأصدق انتماءً للتنظيم هم وأبناؤهم وأسرهم؛ أولئك الذين يحملون الشغف والإرادة، ويملكون القدرة على العطاء دون انتظار المقابل، أو الذمر والشكوى.
أخيراً.. إن الاستكانة للواقع الحالي هي جريمة بحق التاريخ وبحق الفكرة التي بنينا عليها هذا التنظيم وحركتنا الرائدة، لقد حانت لحظة الانطلاق، ولا مكان بيننا لمن يتعذر بالصعاب أو يتستر خلف المناصب وهو عاجز.
فلنشمّر عن ساعد الجد ونساند بعضنا كإخوة صادقين، ولنعِد للأقاليم والمنظمات الشعبية والجماهيرية والأطر الحركية والنقابات المهنية والعمالية والطلابية والنسوية والمؤسسات والجمعيات التعاونية والأهلية هيبتها ودورها، مع الحفاظ على استقلاليتها القانونية وصفتها الاعتبارية؛ ومساندها تنظيميا، فنجاحها نجاح للجميع.
فالأفكار العظيمة لا تموت.. لكنها تحتاج إلى رجال ونساء يبعثون فيها الحياة من جديد.



