أحيانًا… أعظمُ انتصارٍ هو أن تنجو من عقليةِ القطيع… د. عبدالرحيم جاموس

قد يخسر الإنسان مالًا، أو منصبًا، أو شهرةً، أو حتى معركةً من معارك الحياة، لكنه يظل منتصرًا ما دام لم يخسر استقلال عقله. فالهزيمة الحقيقية ليست أن تختلف مع الآخرين، بل أن تتوقف عن التفكير لأنهم فكروا بالنيابة عنك.
وعقلية القطيع ليست وصفًا للناس، ولا انتقاصًا من قيمة الجماعة؛ فالمجتمعات لا تقوم إلا بالتعاون والتكافل. وإنما هي حالة ذهنية يتخلى فيها الإنسان عن مسؤوليته في التفكير، ويستبدل السؤال بالتلقين، والبحث بالتقليد، والاقتناع بالانتماء. عندها لا يعود يسأل: هل هذا صحيح؟ بل يكتفي بالقول: الجميع يقولون ذلك.
ومن هنا تبدأ أخطر صور الاستلاب؛ إذ يتحول العقل من أداة لاكتشاف الحقيقة إلى وسيلة لتبرير المواقف المسبقة، وتصبح العاطفة أقوى من البرهان، والانحياز أعلى صوتًا من الموضوعية، ويغدو التصفيق بديلًا عن الحكمة.
إن عقلية القطيع لا تصنع أحرارًا، بل تصنع أتباعًا. والأتباع، مهما حسنت نواياهم، قد يسهمون في صناعة الخطأ حين يعطلون عقولهم ويُسلمون زمامها لغيرهم. ولهذا لم تكن كثير من مآسي التاريخ من صنع الأشرار وحدهم، بل شارك فيها أناس طيبون، لكنهم توقفوا عن السؤال، وآثروا السلامة على الحقيقة، واليقين الموروث على المعرفة المتجددة.
أما النجاة من هذه العقلية، فلا تعني اعتزال الناس، ولا ادعاء امتلاك الحقيقة، ولا مخالفة الآخرين لمجرد المخالفة. إنها تعني أن يبقى العقل سيدًا على العاطفة، وأن يكون الدليل أقوى من الشائعة، والضمير أصدق من التصفيق، والحقيقة أسمى من التعصب.
فالعقل الحر لا يبحث عمن يؤيده، بل عما يصححه. ولا يخشى مراجعة أفكاره إذا تبدلت المعطيات أو ظهرت حقائق جديدة، لأن الاعتراف بالخطأ فضيلة، والمراجعة علامة نضج، أما الإصرار على الخطأ خوفًا من التراجع، فليس ثباتًا على المبدأ، بل ارتهانًا للهوى.
وفي زمن تتزاحم فيه الروايات، وتتسابق فيه وسائل التأثير على تشكيل الوعي، وتُستثار فيه المشاعر قبل العقول، يصبح الحفاظ على استقلال الفكر مسؤولية أخلاقية، وضرورة حضارية، وشكلًا من أشكال مقاومة التضليل، وصونًا لكرامة الإنسان.
وليس المطلوب أن تكون ضد الناس، ولا أن تسبح عكس التيار لمجرد الاختلاف؛ فالحكمة ليست في المخالفة، كما أنها ليست في الموافقة. الحكمة أن تمتلك عقلًا يزن، وقلبًا ينصف، وضميرًا لا يبيع الحقيقة لإرضاء الجمهور.
إن أعظم الانتصارات ليست تلك التي يهزم فيها الإنسان خصومه، بل تلك التي يتحرر فيها من الخوف، ومن التبعية، ومن أسر الأفكار الجاهزة. فعندما يستعيد الإنسان حقه في أن يفكر بحرية، ويسأل بشجاعة، ويختار عن قناعة، يكون قد انتصر على أخطر أشكال الهزيمة: هزيمة العقل أمام القطيع.
فلا تجعل كثرة السائرين في طريقٍ دليلًا على صوابه، ولا قلة السائرين فيه دليلًا على خطئه؛ فالحقيقة لا تُقاس بعدد أتباعها، وإنما بقوة برهانها، ونبل مقصدها، وصدق نتائجها.
وأحيانًا… يكون أعظم انتصارٍ في الحياة، أن تنجو من عقلية القطيع، لتبقى سيدَ عقلك، وحرَّ ضميرك، وأسيرَ الحقيقة وحدها.
د. عبد الرحيم جاموس
25/7/2026 م



