مرضى قطاع غزة يفقدون حقهم في العلاج بين الإدارة الفقيرة والمؤسسات الصحية الإحلالية.. نضال احمد جابر جودة

تُقاس كفاءة المؤسسات في الإدارة الحديثة بقدرتها على حماية حق الفئة المستهدفة في الحصول على الخدمة التي أُنشئت من أجلها، لا بعدد الاجتماعات التي تعقدها، ولا بعدد اللجان التي تشكلها، ولا بحجم التمويل الذي تستقطبه، ولا بعدد الشراكات التي توقعها. فالمؤسسة الناجحة هي التي تُحوِّل مواردها وقراراتها إلى أثر ملموس يصل إلى الإنسان.
ومن هنا أطرح مصطلح “الإدارة الفقيرة”، ليس لوصف إدارة تفتقر إلى المال أو الإمكانات، وإنما لوصف إدارة تفتقر إلى القدرة على تحويل الموارد والقرارات والشراكات إلى أثر حقيقي يصل إلى الإنسان. إن أخطر أنواع الفقر ليس فقر الميزانية، بل فقر الأثر.
لقد شهد القطاع الصحي الحكومي في قطاع غزة تحولات تنظيمية رافقتها إقامة مؤسسات صحية إحلالية، والاستعانة بعدد من الكوادر الحكومية للعمل داخلها. وقد يكون لهذه الترتيبات مبرراتها التشغيلية في ظروف استثنائية، لكن السؤال الإداري لا يبدأ من مبررات القرار، وإنما من نتائجه.
فهل أصبح المريض أكثر قدرة على الوصول إلى العلاج؟ وهل أصبحت إجراءات العلاج خارج قطاع غزة أكثر كفاءة؟ وهل شعر مريض الأورام، أو مريض الفشل الكلوي، أو مريض الكبد بأن المنظومة الصحية أصبحت أكثر قدرة على حمايته؟
إن الإدارة الفقيرة لا تبدأ عندما تقل الموارد، وإنما تبدأ عندما يتغير مركز الاهتمام من المريض إلى المؤسسة، ومن الخدمة إلى النشاط، ومن النتائج إلى الإجراءات.
ولهذا فإن أول مظاهر الإدارة الفقيرة هو فقر التحولات؛ عندما تتحول الهياكل، بينما تبقى معاناة المريض ثابتة. فالتحول الإداري الحقيقي لا يقاس بإنشاء نموذج جديد، وإنما بقدرته على تحسين حياة المستفيد النهائي.
أما المظهر الثاني فهو فقر الفكرة؛ عندما يصبح إنشاء الكيانات هدفًا بحد ذاته، بينما تتراجع الأولوية لتطوير الوظائف السيادية التي تمثل العمود الفقري للمؤسسة الصحية، وفي مقدمتها دائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى.
ثم يأتي فقر الشراكة، وهو لا يعني رفض الشراكات، بل يعني أن تتحول الشراكة من وسيلة لتعزيز المؤسسة الأم إلى واقع يثير التساؤل حول مدى حفاظها على خبراتها ووظائفها الحيوية. فكل شراكة لا تزيد قدرة المؤسسة الحكومية على خدمة المرضى تحتاج إلى مراجعة من منظور الأثر، لا من منظور النشاط.
ويبرز كذلك فقر الانتماء المؤسسي عندما يُعاد توزيع الكفاءات بصورة تؤثر في استقرار المؤسسة الأم وتراكم خبراتها. فالمؤسسات لا تُبنى بالمباني، وإنما تُبنى بالمعرفة المؤسسية والكوادر التي تحمل ذاكرتها التشغيلية.
ثم نصل إلى فقر العاطفة المؤسسية؛ وهو أخطر مما يبدو. فحين يصبح المريض غائبًا عن طاولة القرار، وحاضرًا فقط في التقارير والإحصاءات، تفقد الإدارة قدرتها على الإحساس بالغاية التي أُنشئت من أجلها. إن المريض ليس رقمًا في كشف انتظار، بل هو معيار نجاح كل قرار إداري.
لكن يبقى أخطر هذه المظاهر جميعًا فقر الأهداف. فعندما تنشغل الإدارة بإدارة الأنشطة أكثر من إدارة النتائج، يصبح نجاح الاجتماع أهم من نجاح الخدمة، وتصبح الصورة التذكارية للجنة أكثر حضورًا من صورة المريض الذي ينتظر فرصة للعلاج.
إن الإدارة الإنتاجية تسأل دائمًا: ماذا تغير في حياة المستفيد؟ أما الإدارة الفقيرة فتسأل: كم اجتماعًا عقدنا؟ وكم لجنة شكلنا؟ وكم ورشة عمل نفذنا؟ وهنا يكمن الفارق بين إدارة تنتج قيمة عامة، وإدارة تنتج نشاطًا إداريًا.
إن المرضى المحولين للعلاج خارج قطاع غزة، ولا سيما مرضى الأورام وأمراض الكلى والكبد، لا يحتاجون إلى المزيد من الاجتماعات، بل إلى منظومة إدارية تجعل حقهم في العلاج هو الأولوية التي تُقاس بها جميع القرارات والسياسات والشراكات.
ولهذا، فإن أي مراجعة جادة للقطاع الصحي الحكومي ينبغي أن تبدأ من سؤال واحد: هل عززت التحولات التنظيمية قدرة المنظومة على حماية حق المرضى في العلاج، أم أن المريض أصبح يدفع ثمن إعادة تشكيل الهياكل الإدارية؟
إن الإدارة الفقيرة ليست حكمًا على الأشخاص، بل توصيف لنمط إداري يفقد بوصلته عندما ينشغل بإدارة الوسائل أكثر من إدارة الغايات.
وحين يفقد المريض حقه في الوصول إلى العلاج، بينما تستمر عجلة الاجتماعات واللجان والشراكات في الدوران، فإن القضية لم تعد قضية نقص موارد فحسب، بل أصبحت قضية إدارة تستحق المراجعة؛ لأن الإدارة التي لا يصل أثرها إلى المريض، مهما بلغت كثافة أنشطتها، تبقى إدارة فقيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com