حين تصبح المظلومية استراتيجية.. مازن المدهون

ما يجري اليوم يعيدني إلى رأي طرحته منذ الأيام الأولى للحرب، ثم كررته قبل عام، وما زلت أرى أن تطورات الميدان تعزز هذه القناعة مع كل جولة جديدة.
فالخط الأصفر يتمدد يوماً بعد يوم، ويقضم أجزاءً جديدة من قطاع غزة، بينما يسقط عشرات الشهداء يومياً دون أن ينعكس ذلك، على ما يبدو، في تغيير جوهري في حسابات حركة حماس. وما زالت الحركة تتصرف وكأن كل ما يجري لا يشكل ورقة ضغط كافية تدفعها إلى مراجعة خياراتها.
لذلك أسأل: كم من الوقت تبقى حتى نرى هذا الخط يتمدد إلى مفترق السرايا؟ أو إلى محيط ميناء القرارة؟ أو إلى قلب مخيم الشاطئ أو أطرافه الشمالية؟
وفي تقديري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو إنشاء مخيمات جديدة على غرار ما جرى في رفح، لينتقل إليها الناس، راغبين أو مكرهين، تحت ضغط القصف والجوع وانعدام مقومات الحياة. وستصبح هذه المخيمات، مهما تحسنت فيها بعض الخدمات، أماكن بلا أفق سياسي أو اقتصادي، وقد تتحول مع الوقت إلى محطات تمهد للهجرة خارج غزة تحت مسمى “الطوعية”.
ولكي أوضح لماذا أعتقد أن هذا السيناريو لا يشكل بالضرورة عامل ضغط حاسماً على حماس، أعود إلى واقعة طالما استحضرتها في قراءتي لسلوك الحركة، وهي اعتصام رابعة العدوية في مصر.
قد تبدو المقارنة للوهلة الأولى بعيدة، لكنني لا أقارن بين الحدثين من حيث الظروف أو النتائج، وإنما من حيث البنية الفكرية وآلية اتخاذ القرار داخل حركات تنتمي، في تقديري، إلى المدرسة العقائدية نفسها.
عندما تجمع أنصار جماعة الإخوان المسلمين في ميدان رابعة، قدموا الاعتصام باعتباره “المعركة الأخيرة” بين الحق والباطل، وحشدوا أنصارهم رغم إدراكهم أن السلطة المصرية، التي تشكلت بعد أحداث 30 يونيو، كانت قد حسمت قرارها بفض الاعتصام إذا فشلت كل الوسائل الأخرى.
وفي رأيي، لم يكن قادة الجماعة يجهلون النهاية المتوقعة، بل كانوا يدركون أن فض الاعتصام بالقوة أصبح مسألة وقت. ومع ذلك استمروا، بل بدا وكأنهم قبلوا – أو حتى راهنوا – على وقوع المواجهة الدموية.
وأعتقد أن وراء هذا السلوك سببين رئيسيين:
الأول، أنهم كانوا قد فقدوا عملياً فرصة العودة إلى الحكم. فقد انتهت تجربة الرئيس محمد مرسي بخسارة سياسية واسعة، ولم تنجح الجماعة في إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق مشروعها، كما خسرت جانباً مهماً من التأييد الشعبي الذي أوصلها إلى السلطة.
أما السبب الثاني، فهو – في تقديري – السعي إلى صناعة مظلومية تاريخية جديدة تعيش عليها الجماعة لعقود، تماماً كما استثمرت سابقاً في اغتيال حسن البنا وإعدام سيد قطب. فالمظلومية تمنح التنظيم قصة كبرى، وتوفر مادة لتعبئة الأتباع، وتفسير الهزيمة باعتبارها نتيجة مؤامرة لا نتيجة أخطاء سياسية أو استراتيجية.
ومن هنا أنتقل إلى غزة.
إذا أسقطنا هذا النمط من التفكير على سلوك حماس، فإنني أعتقد أن الحركة تنطلق من منطق قريب. فمنذ الأيام الأولى للحرب، ربما أدركت أن العودة إلى حكم غزة أصبحت شبه مستحيلة، وأن الحرب ستترك أثماناً سياسية وشعبية يصعب تجاوزها.
وعندما تصبح استعادة السلطة مستبعدة، فإن الأولوية قد لا تعود الحفاظ على السلطة، بل الحفاظ على الرواية. أي الخروج من المشهد بقصة سياسية يمكن العيش عليها سنوات طويلة، عنوانها: الخذلان، والمؤامرة، وأن المشروع كان على وشك تحقيق إنجاز تاريخي لولا تآمر الجميع عليه.
لهذا السبب، لم أتوقع منذ بداية الحرب أن تكون قرارات الحركة منسجمة بالضرورة مع منطق تقليل الخسائر البشرية أو السعي السريع إلى وقف الحرب، بل توقعت أنها ستواصل ما يمكن وصفه بالعناد الاستراتيجي، انطلاقاً من قناعة مفادها أن التراجع الكامل قد يكون، في نظرها، أكثر خطورة من الاستمرار في المواجهة مهما بلغت كلفتها.



